قلناها مع أول طلقة وقبلها ، أن الحرب على إيران فى جوهرها ” حرب إسرائيلية” ، وإن كانت جرت وتجرى بجيوش أمريكية ، بينها جيش الاحتلال “الإسرائيلى” نفسه ،
وجولة الحرب المقبلة تعيد التأكيد على هذه الحقيقة العارية ، ولم تعد القصة فى تسريبات وكواليس واستنتاجات ،
بعد أعلنها الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب” بالفم الملآن ، وقال أنه يريد استمرار “بنيامين نتنياهو” رئيسا لحكومة كيان الاحتلال ، وشريكا له فى حرب إسقاط النظام الإيرانى ، وأرسل “ترامب” وزير حربه “بيت هيجسيث” للقاء “نتنياهو” فى قاعدة “عوفر” الجوية “الإسرائيلية” ، لم يعلن عن الزيارة قبل حدوثها ، وإن اعترف بها “هيجسيث” بعد التسريبات فى موقع “أكسيوس” وغيره ، وفسرها برغبته فى لقاء نخبة جنرالات القيادة المركزية الأمريكية فى الشرق الأوسط ، فيما تكفل “نتنياهو” نفسه بكشف الأوراق ، وقال أنه أصدر أوامره لجيش “إسرائيل” وللمخابرات “الموساد” بتنفيذ خطط موضوعة لتفكيك النظام الإيرانى ،
وهكذا عادت القصة من نهاياتها إلى نقطة البدء ، وجرت العودة إلى استلهام الخطة من “نتنياهو” ، ودونما استيعاب لدروس ما كان مع بدء الحرب الجارية صباح 28 فبراير 2026 ، وتنظيم حملة اغتيالات جماعية للقادة الإيرانيين ،
ثم التعويل على دفع ملايين الإيرانيين للوقوف مع تحرك مسلح لإسقاط نظام مقطوع الرأس ، وهو ما حدث عكسه بالضبط فى المرة الأولى ،
فقد استمر النظام رغم قطع رأسه السابق (المرشد الراحل على خامنئى) ، ونهضت طبعة جديدة من النظام أكثر تشددا ومخاطرة ، وبدعم حماسى جياش من عشرات ملايين الإيرانيين المتدفقين يوميا للشوارع والميادين الكبرى فى كل إيران .
ربما الفارق هذه المرة ، أن اللعب يجرى على المكشوف ، ودونما مفاجأة من أى نوع ، فقد اكتفى “ترامب” بتغليب الوقت الأنسب لظروفه السياسية ، وجعل موعد البدء بالحرب عقب انتخابات التجديد النصفى الأمريكية فى 3 نوفمبر المقبل ، وهو ما يعلمه الإيرانيون بالطبع ، واستعدوا للجولة المقبلة كأنها تجرى فورا ، وسارعوا بتعيين “مهراد أخلاقى” مهندس صناعة الصواريخ وزيرا للدفاع ، ورد الجنرال “محمد رضا نقدى” المستشار العسكرى للمرشد الحالى “مجتبى خامنئى” على تهديد أمريكى باستخدام “أم القنابل” لضرب إيران ، وقد جرى استخدام “أم القنابل” إياها فى ضرب “طالبان أفغانستان” عام 2017 ، ومن دون أن تجدى نفعا ،
ثم عادت أمريكا لاستخدام ما هو أكبر من “أم القنابل” فى ضرب إيران ، ففى حرب الإثنى عشر يوما أواسط 2025 ، أمر “ترامب” ـ فى عملية “مطرقة منتصف الليل” ـ بضرب مفاعل “فوردو” النووى الإيرانى بالقنابل المعروفة باختصار “جى . بى . يو 57” ، ووزنها نحو 14 طنا ، بينما ما تسمى “أم القنابل” ، واسمها الكودى “جى.بى.يو 43” ، وزنها أقل من عشرة أطنان ،
ويبدو أن الإيرانيين حصلوا على القنبلة الأكبر “جى . بى .يو 57” ، أو على أجزاء كاملة منها لم تنفجر ، واستخدموا حيل “الهندسة العكسية” لتصنيع مثلها ، سواء بإمكاناتهم الذاتية ، أو بمعونة تقنية من الروس أو من الصينيين ،
وهو ما يفسر إعلان مستشار المرشد العسكرى ، أن إيران قد امتلكت تكنولوجيا “أم القنابل” وما هو أكبر وأخطر منها ، وللإيرانيين تاريخ طويل من “الهندسة العكسية” لأسلحة أمريكية حصلوا عليها فى معارك أو اشتباكات ، وقد أراد الجنرال “نقدى” أن يقول ببساطة للأمريكيين ، لا تهددونا بما نعرفه ونمتلك مثله ،
إضافة للتطور الهائل فى الصواريخ “الجوالة” والصواريخ الباليستية الإيرانية فرط الصوتية ، عبر شهور الحرب الثمانية حتى اليوم ، وهو ما يعكسه رمزيا تعيين المهندس “أخلاقى” أخيرا وزيرا لدفاع إيران ، وقد كان صاحب الدور الريادى فى أبحاث ثم الإنتاج الأوسع لسلاسل الصواريخ .
وكأن النظام الإيرانى يريد القول ، أننا مستعدون جيدا لجولة الحرب الوشيكة ، وأن “النصر الحاسم” الذى يطلبه “ترامب” و”نتنياهو” لن يتحقق هذه المرة أيضا ، وهو ما يفسر التشدد المضاف للقيادة الإيرانية فى مفاوضات الكواليس عبر الوسطاء ،
الذين أضيفت إليهم وساطة “روسيا” ، وزيارة وزير الخارجية الروسى “سيرجى لافروف” إلى طهران ، ثم ذهاب المشير الباكستانى “عاصم منير” إلى “طهران” برسالة تحذير أخيرة من “ترامب” ،
وهو ما رد عليه المفاوضون الإيرانيون الكبار بحزم ظاهر ، بدءا من الرئيس الإيرانى “مسعود بزشكيان” إلى كبير المفاوضين ورئيس البرلمان “محمد باقر قاليباف” ، وإلى الجنرال “محسن رضائى” الأمين العام لمجلس الأمن القومى الإيرانى ، وقد شاركوا جميعا فى لقاءات “لافروف” و” منير” ، وكانت تعقيباتهم علنية فى أغلبها ،
وعكست اتفاق المراجع الإيرانية على الموقف المستمسك ببنود “مذكرة التفاهم ” التى نقضها “ترامب” ، وبخطة “الأيام السبعة ” الإيرانية المبنية عليها ، وتشترط تنفيذ أمريكا أولا لسبعة مطالب قبل الشروع فى مفاوضات الملف النووى الإيرانى ،
يأتى على رأسها وقف الحرب أو التهديد بها ، وإزالة الحصار البحرى والخنق الاقتصادى الأمريكى ، والعقوبات المفروضة على حرية تصدير البترول الإيرانى ، وفك تجميد الأرصدة الإيرانية المسروقة ،
وكلها مطالب يعترض عليها “ترامب” ، ويطلب استسلاما إيرانيا كاملا لشروطه فى تفكيك البرنامج النووى الإيرانى ، وهو ما لا يتصور عاقل إمكانية لحدوثه .
والمعنى بوضوح ، أن الحرب واقعة واقعة ، وأن خطة إيران فى مواجهتها تظل كما كانت فى “حرب الأربعين يوما” الأولى ، وملخصها رفع تكلفة الحرب على عدوها ، وتوسيعها فى الجغرافيا وإطالتها فى الزمن ، وربما بإضافة نوعية هذه المرة ، هى التوجه الأكثف لتوجيه ضربات صاروخية مباشرة على القطع البحرية الأمريكية فى المنطقة وخارجها ، والعودة لشن موجات هجوم صاروخى واسع على كيان الاحتلال “الإسرائيلى” ،
ومن دون التوقف عن ضرب القواعد الأمريكية فى الخليج والمحيط العربى عموما ، وربما التوجه لضرب البنية التحتية من آبار بترول ومحطات كهرباء ومحطات تحلية مياه ، خصوصا إن بادرت أمريكا و”إسرائيل” إلى ضرب البنية التحتية الإيرانية ، وهو المتوقع غالبا مع حملة اغتيالات للقادة الإيرانيين الكبار ، وعلى نحو ما جرى صباح 28 فبراير الماضى .
وقد لا تبالى أمريكا ، ولا يبالى “ترامب” بالمخاطر على دول الخليج العربية ، وأولوية “ترامب” كما هو ظاهر فى التحركات الأمريكية الجارية ، هى حماية “الكيان الإسرائيلى” أولا ، ونقل ما يمكنه من جنود وخبراء ومعدات دفاع صاروخى إلى كيان الاحتلال ، وترك دول الخليج العربية لمصائر التدمير ، وإرغام نظمها على الدخول إلى حظيرة توقيع “اتفاقات أبراهام” سيئة الصيت مع “إسرائيل” ، فالهدف الأمريكى “الإسرائيلى” الشامل ، ليس فقط تدمير إيران ، بل تدمير دول عربية معها ، وبالذات تلك التى ما تزال تعارض فكرة التطبيع والتحالف مع “إسرائيل” ، والقبول بمبدأ “السيادة الإسرائيلية” على الشرق الأوسط الجديد .
والغريب ، أن دولا عربية ، لا تفكر بمقتضى مصالحها وصيانة مصائرها ، وقد تتورط مع أمريكا و”إسرائيل” فى الهجمة الجديدة الوشيكة على إيران ، وهو ما يزيد الطين طينا ،
خصوصا إن أبدى النظام الإيرانى صمودا فى مواجهة الحرب الجديدة ، وعلى نحو ما فعله فى حروب “الإثنى عشر يوما” و”الأربعين يوما ” و”قصف الليالى الثلاثة عشر” وما بعدها وما بينها ، وهو ما يبدو مرجحا ، مهما اشتدت ضراوة الضربات الأمريكية “الإسرائيلية” الجديدة الوشيكة .
وربما تجدر الإشارة هنا إلى نصيحة ونداء الإمام “أحمد الطيب” شيخ الجامع الأزهر ، ودعوته مؤخرا إلى مصالحة توقف اشتعال حروب المنطقة العبثية بين العرب والمسلمين ، صحيح أن “الطيب” ليس قائدا سياسيا يتوه بحساب المنافع والمضار العاجلة المتصورة ،
لكنه رمز كبير لضمير دينى وعروبى يقظ ، يدرك أن العرب والمسلمين هم أول الضحايا لحروب المنطقة البينية ، وأن المطلوب الأول هو البحث عن المستفيد مما جرى ويجرى ، فى الوقت الذى يقوم فيه “كيان الاحتلال” بحروب استئصال الفلسطينيين من كل فلسطين ، ودفعهم لترك وطنهم والخروج كمهجرين ولاجئين إلى دول الجوار العربى ، وتزوير حقيقة “العدو الأصلى” فى الوجدان العربى ، وإحلال العداوة لإيران وأنصارها محل العداوة الأصلية لكيان الاحتلال “الإسرائيلى” الاستيطانى الإحلالى الدموى الإبادى ،
وإحلال “عروبة مريبة” و”إسلام طائفى” محل العروبة الأصلية والإسلام الجامع ، والذهاب بالمنطقة إلى جحيم يشعله الأمريكيون و”الإسرائيليون” ، يأتى على الأخضر واليابس فى المنطقة كلها ، ويحول العرب والمسلمين إلى عبيد فى مملكة “إسرائيل” الشرق أوسطية “التوراتية” الكبرى .
وربما يكون واجب اللحظة الأهم ، أن تتوقف الحرب العبثية البينية ، وأن ينتبه الجميع إلى حساب المصائر فيما جرى ويجرى ، وأن يعطوا الأولوية للمصالح الجامعة ، ولمصالحات عاجلة ممكنة ، بدلا من الانقياد الأعمى لما يريده العدو الأمريكى “الإسرائيلى” ، وترك أوهام التسوية والتطبيع بل التحالف مع العدو “الإسرائيلى” ، التى تذهب بنا جميعا إلى موارد التهلكة ، وإلى الاحتراق الجماعى الذاتى ، وتعمينا عن فرص ممكنة لتسويات بينية عاجلة قبل فوات الأوان .
To provide the best experiences, we use technologies like cookies to store and/or access device information. Consenting to these technologies will allow us to process data such as browsing behavior or unique IDs on this site. Not consenting or withdrawing consent, may adversely affect certain features and functions.