Site icon masr 306

“عبدالحليم قنديل” يكتب: أوقفوا حروب الاحتراق الذاتى ..   

عبد الحليم قنديل

عبد الحليم قنديل

 قلناها مع أول طلقة وقبلها ، أن الحرب على إيران فى جوهرها ” حرب إسرائيلية” ، وإن كانت جرت وتجرى بجيوش أمريكية ، بينها جيش الاحتلال “الإسرائيلى” نفسه ،

وجولة الحرب المقبلة تعيد التأكيد على هذه الحقيقة العارية ، ولم تعد القصة فى تسريبات وكواليس واستنتاجات ،

بعد أعلنها الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب” بالفم الملآن ، وقال أنه يريد استمرار “بنيامين نتنياهو” رئيسا لحكومة كيان الاحتلال ، وشريكا له فى حرب إسقاط النظام الإيرانى ، وأرسل “ترامب” وزير حربه “بيت هيجسيث” للقاء “نتنياهو” فى قاعدة “عوفر” الجوية “الإسرائيلية” ، لم يعلن عن الزيارة قبل حدوثها ، وإن اعترف بها “هيجسيث” بعد التسريبات فى موقع “أكسيوس” وغيره ، وفسرها برغبته فى لقاء نخبة جنرالات القيادة المركزية الأمريكية فى الشرق الأوسط ، فيما تكفل “نتنياهو” نفسه بكشف الأوراق ، وقال أنه أصدر أوامره لجيش “إسرائيل” وللمخابرات “الموساد” بتنفيذ خطط موضوعة لتفكيك النظام الإيرانى ،

وهكذا عادت القصة من نهاياتها إلى نقطة البدء ، وجرت العودة إلى استلهام الخطة من “نتنياهو” ، ودونما استيعاب لدروس ما كان مع بدء الحرب الجارية صباح 28 فبراير 2026 ، وتنظيم حملة اغتيالات جماعية للقادة الإيرانيين ،

ثم التعويل على دفع ملايين الإيرانيين للوقوف مع تحرك مسلح لإسقاط نظام مقطوع الرأس ، وهو ما حدث عكسه بالضبط فى المرة الأولى ،

فقد استمر النظام رغم قطع رأسه السابق (المرشد الراحل على خامنئى) ، ونهضت طبعة جديدة من النظام أكثر تشددا ومخاطرة ، وبدعم حماسى جياش من عشرات ملايين الإيرانيين المتدفقين يوميا للشوارع والميادين الكبرى فى كل إيران .

    ربما الفارق هذه المرة ، أن اللعب يجرى على المكشوف ، ودونما مفاجأة من أى نوع ، فقد اكتفى “ترامب” بتغليب الوقت الأنسب لظروفه السياسية ، وجعل موعد البدء بالحرب عقب انتخابات التجديد النصفى الأمريكية فى 3 نوفمبر المقبل ، وهو ما يعلمه الإيرانيون بالطبع ، واستعدوا للجولة المقبلة كأنها تجرى فورا ، وسارعوا بتعيين “مهراد أخلاقى” مهندس صناعة الصواريخ وزيرا للدفاع ، ورد الجنرال “محمد رضا نقدى” المستشار العسكرى للمرشد الحالى “مجتبى خامنئى” على تهديد أمريكى باستخدام “أم القنابل” لضرب إيران ، وقد جرى استخدام “أم القنابل” إياها فى ضرب “طالبان أفغانستان” عام 2017 ، ومن دون أن تجدى نفعا ،

ثم عادت أمريكا لاستخدام ما هو أكبر من “أم القنابل” فى ضرب إيران ، ففى حرب الإثنى عشر يوما أواسط 2025 ، أمر “ترامب” ـ فى عملية “مطرقة منتصف الليل” ـ بضرب مفاعل “فوردو” النووى الإيرانى بالقنابل المعروفة باختصار “جى . بى . يو 57” ، ووزنها نحو 14 طنا ، بينما ما تسمى “أم القنابل” ، واسمها الكودى “جى.بى.يو 43” ، وزنها أقل من عشرة أطنان ،

ويبدو أن الإيرانيين حصلوا على القنبلة الأكبر “جى . بى .يو 57” ، أو على أجزاء كاملة منها لم تنفجر ، واستخدموا حيل “الهندسة العكسية” لتصنيع مثلها ، سواء بإمكاناتهم الذاتية ، أو بمعونة تقنية من الروس أو من الصينيين ،

وهو ما يفسر إعلان مستشار المرشد العسكرى ، أن إيران قد امتلكت تكنولوجيا “أم القنابل” وما هو أكبر وأخطر منها ، وللإيرانيين تاريخ طويل من “الهندسة العكسية” لأسلحة أمريكية حصلوا عليها فى معارك أو اشتباكات ، وقد أراد الجنرال “نقدى” أن يقول ببساطة للأمريكيين ، لا تهددونا بما نعرفه ونمتلك مثله ،

إضافة للتطور الهائل فى الصواريخ “الجوالة” والصواريخ الباليستية الإيرانية فرط الصوتية ، عبر شهور الحرب الثمانية حتى اليوم ، وهو ما يعكسه رمزيا تعيين المهندس “أخلاقى” أخيرا وزيرا لدفاع إيران ، وقد كان صاحب الدور الريادى فى أبحاث ثم الإنتاج الأوسع لسلاسل الصواريخ .

    وكأن النظام الإيرانى يريد القول ، أننا مستعدون جيدا لجولة الحرب الوشيكة ، وأن “النصر الحاسم” الذى يطلبه “ترامب” و”نتنياهو” لن يتحقق هذه المرة أيضا ، وهو ما يفسر التشدد المضاف للقيادة الإيرانية فى مفاوضات الكواليس عبر الوسطاء ،

الذين أضيفت إليهم وساطة “روسيا” ، وزيارة وزير الخارجية الروسى “سيرجى لافروف” إلى طهران ، ثم ذهاب المشير الباكستانى “عاصم منير” إلى “طهران” برسالة تحذير أخيرة من “ترامب” ،

وهو ما رد عليه المفاوضون الإيرانيون الكبار بحزم ظاهر ، بدءا من الرئيس الإيرانى “مسعود بزشكيان” إلى كبير المفاوضين ورئيس البرلمان “محمد باقر قاليباف” ، وإلى الجنرال “محسن رضائى” الأمين العام لمجلس الأمن القومى الإيرانى ، وقد شاركوا جميعا فى لقاءات “لافروف” و” منير” ، وكانت تعقيباتهم علنية فى أغلبها ،

وعكست اتفاق المراجع الإيرانية على الموقف المستمسك ببنود “مذكرة التفاهم ” التى نقضها “ترامب” ، وبخطة “الأيام السبعة ” الإيرانية المبنية عليها ، وتشترط تنفيذ أمريكا أولا لسبعة مطالب قبل الشروع فى مفاوضات الملف النووى الإيرانى ،

يأتى على رأسها وقف الحرب أو التهديد بها ، وإزالة الحصار البحرى والخنق الاقتصادى الأمريكى ، والعقوبات المفروضة على حرية تصدير البترول الإيرانى ، وفك تجميد الأرصدة الإيرانية المسروقة ،

وكلها مطالب يعترض عليها “ترامب” ، ويطلب استسلاما إيرانيا كاملا لشروطه فى تفكيك البرنامج النووى الإيرانى ، وهو ما لا يتصور عاقل إمكانية لحدوثه .

    والمعنى بوضوح ، أن الحرب واقعة واقعة ، وأن خطة إيران فى مواجهتها تظل كما كانت فى “حرب الأربعين يوما” الأولى ، وملخصها رفع تكلفة الحرب على عدوها ، وتوسيعها فى الجغرافيا وإطالتها فى الزمن ، وربما بإضافة نوعية هذه المرة ، هى التوجه الأكثف لتوجيه ضربات صاروخية مباشرة على القطع البحرية الأمريكية فى المنطقة وخارجها ، والعودة لشن موجات هجوم صاروخى واسع على كيان الاحتلال “الإسرائيلى” ،

ومن دون التوقف عن ضرب القواعد الأمريكية فى الخليج والمحيط العربى عموما ، وربما التوجه لضرب البنية التحتية من آبار بترول ومحطات كهرباء ومحطات تحلية مياه ، خصوصا إن بادرت أمريكا و”إسرائيل” إلى ضرب البنية التحتية الإيرانية ، وهو المتوقع غالبا مع حملة اغتيالات للقادة الإيرانيين الكبار ، وعلى نحو ما جرى صباح 28 فبراير الماضى .

    وقد لا تبالى أمريكا ، ولا يبالى “ترامب” بالمخاطر على دول الخليج العربية ، وأولوية “ترامب” كما هو ظاهر فى التحركات الأمريكية الجارية ، هى حماية “الكيان الإسرائيلى” أولا ، ونقل ما يمكنه من جنود وخبراء ومعدات دفاع صاروخى إلى كيان الاحتلال ، وترك دول الخليج العربية لمصائر التدمير ، وإرغام نظمها على الدخول إلى حظيرة توقيع “اتفاقات أبراهام” سيئة الصيت مع “إسرائيل” ، فالهدف الأمريكى “الإسرائيلى” الشامل ، ليس فقط تدمير إيران ، بل تدمير دول عربية معها ، وبالذات تلك التى ما تزال تعارض فكرة التطبيع والتحالف مع “إسرائيل” ، والقبول بمبدأ “السيادة الإسرائيلية” على الشرق الأوسط الجديد .

     والغريب ، أن دولا عربية ، لا تفكر بمقتضى مصالحها وصيانة مصائرها ، وقد تتورط مع أمريكا و”إسرائيل” فى الهجمة الجديدة الوشيكة على إيران ، وهو ما يزيد الطين طينا ،

خصوصا إن أبدى النظام الإيرانى صمودا فى مواجهة الحرب الجديدة ، وعلى نحو ما فعله فى حروب “الإثنى عشر يوما” و”الأربعين يوما ” و”قصف الليالى الثلاثة عشر” وما بعدها وما بينها ، وهو ما يبدو مرجحا ، مهما اشتدت ضراوة الضربات الأمريكية “الإسرائيلية” الجديدة الوشيكة .

   وربما تجدر الإشارة هنا إلى نصيحة ونداء الإمام “أحمد الطيب” شيخ الجامع الأزهر ، ودعوته مؤخرا إلى مصالحة توقف اشتعال حروب المنطقة العبثية بين العرب والمسلمين ، صحيح أن “الطيب” ليس قائدا سياسيا يتوه بحساب المنافع والمضار العاجلة المتصورة ،

لكنه رمز كبير لضمير دينى وعروبى يقظ ، يدرك أن العرب والمسلمين هم أول الضحايا لحروب المنطقة البينية ، وأن المطلوب الأول هو البحث عن المستفيد مما جرى ويجرى ، فى الوقت الذى يقوم فيه “كيان الاحتلال” بحروب استئصال الفلسطينيين من كل فلسطين ، ودفعهم لترك وطنهم والخروج كمهجرين ولاجئين إلى دول الجوار العربى ، وتزوير حقيقة “العدو الأصلى” فى الوجدان العربى ، وإحلال العداوة لإيران وأنصارها محل العداوة الأصلية لكيان الاحتلال “الإسرائيلى” الاستيطانى الإحلالى الدموى الإبادى ،

وإحلال “عروبة مريبة” و”إسلام طائفى” محل العروبة الأصلية والإسلام الجامع ، والذهاب بالمنطقة إلى جحيم يشعله الأمريكيون و”الإسرائيليون” ، يأتى على الأخضر واليابس فى المنطقة كلها ، ويحول العرب والمسلمين إلى عبيد فى مملكة “إسرائيل” الشرق أوسطية “التوراتية” الكبرى .

    وربما يكون واجب اللحظة الأهم ، أن تتوقف الحرب العبثية البينية ، وأن ينتبه الجميع إلى حساب المصائر فيما جرى ويجرى ، وأن يعطوا الأولوية للمصالح الجامعة ، ولمصالحات عاجلة ممكنة ، بدلا من الانقياد الأعمى لما يريده العدو الأمريكى “الإسرائيلى” ، وترك أوهام التسوية والتطبيع بل التحالف مع العدو “الإسرائيلى” ، التى تذهب بنا جميعا إلى موارد التهلكة ، وإلى الاحتراق الجماعى الذاتى ، وتعمينا عن فرص ممكنة لتسويات بينية عاجلة قبل فوات الأوان .

Kandel2002@hotmail.com

Exit mobile version