“عبدالحليم قنديل” يكتب: حرب “هرمز” الأخيرة على الأبواب ..
ahmed ibrahim
الكاتب الصحفي د عبد الحليم قنديل
رغم أن أدوار الوساطة الباكستانية والقطرية وغيرها لا تتوقف ، فإن فرص العودة إلى مفاوضات واشنطن وطهران تتراجع ، واحتمالات الذهاب إلى حرب ضارية مجددة تتصاعد ، وبالذات بعد انقضاء فترة الستين يوما التى كانت مقررة لسريان مذكرة التفاهم ، التى تصر طهران على العودة لنصوصها وبنودها ، واعتبارها أساسا ومرجعا لأى اتفاق لاحق ، فيما يميل الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب” إلى استبعاد شبح المذكرة ، التى عدها الإيرانيون نصرا لهم وهزيمة لأمريكا ، وعلى حد تصريح بهذا المعنى أطلقه “محمد باقر قاليباف” كبير المفاوضين ورئيس البرلمان الإيرانى ، وأعاد المفاوضون الإيرانيون استنساخ شروط المذكرة كلزوم ما يلزم لإعادة فتح “مضيق هرمز” ، فيما يواصل “ترامب” إطلاق دعاياته النفسية البدائية ، وينشر على موقعه الاجتماعى “تروث سوشيال” خريطة للمضيق ، يشفعها بعبارة “أرض أمريكية جديدة” ، فى إشارة صريحة مباشرة لعزمه الاستيلاء الكلى على “مضيق هرمز” ، مع أن “ترامب” نفسه أكد مرارا ، أن البحرية الأمريكية تسيطر بالكامل على المضيق ، وهو زعم لا تسنده الوقائع المنظورة ، التى تؤكد استمرار سيطرة “الحرس الثورى” الإيرانى ، وإغلاقه المضيق تماما ، وإلى حد أنه لا تعبر سفينة ولا ناقلة واحدة فى بعض الأيام ، وعلى العكس تماما من مزاعم “ترامب” وإدارته ، وقد وصل الحال بالرئيس الأمريكى أنه ادعى وجود قناة اتصال وتفاوض سرى بين الأمريكيين وجماعة “الحرس الثورى” ، وهو ما جرى تكذيبه إيرانيا ، وعاد ترامب نفسه لتكذيب نفسه ، وقال أنه لا توجد أى مفاوضات من أى نوع .
وبالجملة ، فإنه لا تبدو من فرص لتجديد التفاوض بين الإيرانيين والأمريكيين فى مدى قريب ، وقد صرنا أمام أحجية من نوع “البيضة أم الفرخة أولا ” ، فالإيرانيون ومجلسهم الأعلى للأمن القومى وضعوا شروطا ستة لفتح “هرمز” ، أولها الرفع الفورى للحصار البحرى الأمريكى على الموانئ الإيرانية ، وإزالة العقوبات الأمريكية المفروضة على حرية تصدير البترول الإيرانى ومشتقاته البتروكيماوية ، بينما لسان حال الإدارة الأمريكية يقول العكس بالضبط ، وأنه لابد من فتح إيران للمضيق أولا ، ثم يرفع الحصار الأمريكى بعدها .
وعلى مدى أيام وأسابيع ، تصور البعض أن فك العقدة قد يأتى من خلال مفاوضات طهران مع “سلطنة عمان” ، وبالرغم من حدوث تقدم ما فى هذه المفاوضات ، فإن الإيرانيين صمموا على التفريق بين مفاوضاتهم مع “عمان” لتنظيم الحركة فى المضيق ، وبين التفاهم مع واشنطن لفتح “هرمز” ، واعتبروا أن التفاهم مع “عمان” لا يعنى تلقائيا تفاهما مع واشنطن ، وهو ما زاد من جنون “ترامب” ، الذى هدد مجددا بقصف “سلطنة عمان” نفسها .
ومع التغييرات الأخيرة فى هيكل السلطة الإيرانية ، وتعيينات القائد “مجتبى خامنئى” فى قيادة الجيش والحرس الثورى و”الباسيج” ، بدا النظام الإيرانى كأنه يستعد لجولة تفاوض خشن أو لحرب جديدة ، فأغلبية أو حتى كل قرارات المرشد “مجتبى” ، مالت إلى تغليب نفوذ العناصر الأكثر تشددا ، وهو ما بدا ظاهرا بالذات فى اختياره الجنرال “محسن رضائى” أمينا عاما لمجلس الأمن القومى ، والمعروف أن “رضائى” عبر عن عدم ارتياحه لفتوى الإمام الراحل “الخامنئى” بتحريم صناعة القنابل الذرية ، وربما يعكس ذلك ميلا عند “مجتبى” نفسه للتخلص من فتوى التحريم ، خصوصا مع تصريحات غامضة صدرت عن الرئيس الإيرانى الإصلاحى “مسعود بزشكيان” بعد لقاء السبع ساعات مع “مجتبى” ، قال “بزشيكان” أن حرمان إيران من قدرات معينة ، هو الذى أتاح فرصا للعدوان الأمريكى “الإسرائيلى” المتكرر عليها ، أضف إلى ذلك ما صار مستقرا اليوم فى اللهجة الإيرانية العسكرية بالذات ، وتعلق بالانتقال فى الحرب من الدفاع إلى الهجوم ، والحديث عن إمكانية مبادرة إيران بفك الحصارالبحرى الأمريكى بالقوة ، ومحصلة ما يجرى اليوم مع انسداد أبواب التفاوض ، أننا قد نكون بصدد حرب
“حرب هرمز” ومحيط المضيق والجزر الإيرانية القريبة منه أو المطلة عليه .
وصحيح أنه جرت اشتباكات سبقت فى “مضيق هرمز” ، وبمبادرة من “ترامب” ، الذى أعلن عن تنفيذ ما أسماه عملية “مشروع الحرية” مرات ، فشلت جميعا ، واستمرت إيران فى إحكام قبضتها على المضيق الذى تعده أهم أوراقها الاستراتيجية ، وقنبلتها النووية الاقتصادية ، الأهم من مخزون التخصيب النووى المرتفع ، ومن حوارات البرنامج النووى الإيرانى المؤجلة عمليا مع تعثر “مذكرة التفاهم” ، فيما يبحث “ترامب” عن “فتح هرمز” أولا ، وربما ينصحه جنرالاته بعدم الاكتفاء بالضغط الاقتصادى الأقصى على إيران ، وتجريب فرص إنزال برى محدود على جنوب إيران ، والاستيلاء على جزيرة “خارك” بالذات ، وهو اختيار عسكرى وسط ، لا يصل إلى حد المجازفة بغزو برى أمريكى كامل لإيران ، لا يستطيع “ترامب ” اتخاذ قرار فيه خوفا من التكاليف البشرية الدمؤية المتوقعة لضباطه وجنوده ، والمزج بين تداعيات التحول الظاهر فى الروح العسكرية الإيرانية مع مأزق “ترامب” الراهن ، قد يقود إلى توقع نشوب حرب شاملة على مدارج الأيام والأسابيع القريبة ، وفى جغرافيا مضيق “هرمز” ومحيطه بالذات. وفى اجتماعات أخيرة للجنرال “براد كوبر” قائد القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” مع القادة العسكريين لكيان الاحتلال “الإسرائيلى” ، قالت التسريبات أن “إسرائيل” عرضت دورا تكامليا مع القوات الأمريكية فى استئناف هجوم شامل على إيران ، يتولى فيه سلاح الجو “الإسرائيلى” شن غارات مدمرة على البنى التحتية المدنية الإيرانية من الجسور ومحطات الطاقة والكهرباء وتحلية المياه لمدة 15 يوما متصلة ، وهو احتمال وارد جدا ، خصوصا أن الجنرال “كوبر” أكثر حماسا لاستئناف حرب ضارية على إيران ، على عكس قائد الأركان الأمريكية المشتركة “دان كاين” ، الذى قيل أنه حذر “ترامب” فى اجتماع سرى من تناقص ربما نفاد مخزون الصواريخ الهجومية والدفاعية ، وأنه لم يعد من حل عسكرى فى إيران عبر القصف الجوى مهما كانت ضراوته ، وقد يتجه “ترامب” إلى تقبل خطط “كوبر” مع “الإسرائيليين” ، بعد أن أعيته حيل إخضاع إيران بالضغط الاقتصادى ، وارتجاله لأكاذيب السيطرة الكاملة على “مضيق هرمز” ، ودعوة إيران إلى رفع راية الاستسلام التام بغير قيد ولا شرط (!) .
ومع شخص فى مثل تقلبات “ترامب” الصباحية والمسائية ، فقد لا يستقر توقع بذاته لمدار حركته وسلوكه ، وقد يعيد إلغاء كل خطط عسكرية ، وينتحل لنفسه عذرا بتدخل أحبابه فى المنطقة ، فهو يشعر غريزيا ، أن الطريق بات مسدودا أمامه فى إيران ، التى لا تخضعها حمم النار ولا ضغوط الاقتصاد ، وتبدى رغبتها فى الانتقال من الردع الدفاعى إلى المبادرات الهجومية ، وبالذات فيما تعتبره إيران “خاصرة رخوة” لقواعد أمريكا وجوارها فى دول خليجية وعربية مجاورة ، خصوصا مع احتفاظ إيران بأغلبية مخزونها من المسيرات والصواريخ الجوالة “كروز” والباليستية الأدق فى إصاباتها ، وسعى النظام الإيرانى لإعادة ترتيب صفوفه ، وتجنيد حلفاء إيران من “الحوثيين” والجماعات الموالية فى العراق بالذات ، وإشراكهم فى حرب ممتدة زمنيا وجغرافيا ، وكسب أوقات حرب إضافية ، وعلى أمل “زعزعة” موقف إدارة “ترامب” ، مع نتائج انتخابات التجديد النصفى فى الثلاثاء الأول من نوفمبر المقبل ، وربما إغراق “ترامب” فى حرب استنزاف مطولة ، قد تمتد إلى نهاية فترته الرئاسية الأخيرة ، ومد أزمة غلق “هرمز” إلى أزمة مضافة فى مضيق “باب المندب” ، وعلى أمل مضاعفة تكلفة الحرب فى الداخل الأمريكى ، وزيادة معدلات التضخم وأسعار المحروقات.
ونأمل ألا تكرر إيران سلاسل الأخطاء إياها فى الجولات الحربية الجديدة المتوقعة ، فخاصرة أمريكا الرخوة ليست فى دول الخليج ، خاصرة أمريكا الموجعة فى “إسرائيل” ، التى نقلت لها واشنطن أغلب أصولها العسكرية فى المنطقة ، وقد يحسن الإيرانيون صنعا ، لو أنهم حولوا مبادراتهم الهجومية إلى كيان الاحتلال وقواعد وأصول أمريكا فيه ، وقد كفت إيران ـ للأسف ـ عن توجيه الضربات لكيان الاحتلال فى وقت طال ، واستئناف ضرب “إسرائيل” دون انتظار ضرباتها هو الذى يفيد إيران أخلاقيا عند شعوب المنطقة ، خصوصا مع تضاعف شراسة التوحش “الإسرائيلى” فى “غزة” و”الضفة الغربية” وفى لبنان وسوريا ، حيث تقيم “إسرائيل” ما تسميه مناطقها الأمنية “الصفراء” وتتوسع فيها ، وترفض الانسحاب من شبر منها ، فى الوقت الذى تكتفى فيه القيادة الإيرانية بتصعيد “كلامى” ضد العدو الأصلى ، وتوجه نيرانها كثيرا ضد منشآت مدنية فى دول عربية ، وتؤذى شعوبها ، وتصدهم عن تفهم قضيتها ، وتغفل عن توجيه نيرانها ضد “رأس الأفعى” ، فالحرب على إيران كانت ولا تزال حربا “إسرائيلية” ، حتى وإن جرت فى الكثير من جولاتها بجيوش أمريكية ، يعود جيش كيان الاحتلال للالتحاق بها قريبا ، ويلوى “بنيامين نتنياهو” ذراع “ترامب” فى اتفاقات “غزة” ولبنان وسوريا ، ويواصل حروب إبادة لا تنتهى ، ويزايد بالدم العربى فى بورصة انتخابات “الكنيست ” القريبة .
To provide the best experiences, we use technologies like cookies to store and/or access device information. Consenting to these technologies will allow us to process data such as browsing behavior or unique IDs on this site. Not consenting or withdrawing consent, may adversely affect certain features and functions.