“عبدالحليم قنديل” يكتب: مصير حرب “نورماندى” الترامبية ..
ahmed ibrahim
عبد الحليم قنديل
هل التاريخ يعيد نفسه ؟ ، سؤال فكرى فلسفى قديم ، كان جواب “كارل ماركس” عليه ذات مرة ، أن التاريخ لا يكرر نفسه ، وإن تصور البعض أن الإعادة ممكنة ، فهى تجرى على النحو التالى ، تحدث الواقعة أولا كمأساة أو تراجيديا ، ثم تكون الاستعادة ملهاة أو كوميديا ، وقد جرى شئ من ذلك مع “العملية نيبتون”العسكرية ، أو عملية إنزال الحلفاء لقواتهم على شواطئ “نورماندى” الفرنسية قرب نهايات الحرب العالمية الثانية ، وكانت نقطة تحول هائلة فى حرب الحلفاء ضد ألمانيا النازية ، قادت إلى الهزيمة النهائية لقوات “أدولف هتلر” ، ودخول الحلفاء الغربيين لاحتلال “برلين” ، بعد أن كانت سبقتهم إليها القوات السوفيتية الزاحفة من الشرق .
هذه فكرة عامة عما جرى فى عملية “انزال نورماندى” ، التى يريد الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب” تكرارها فى عملية معاقبة إيران وسحقها اقتصاديا ، ويسميها عملية “إنزال اقتصادى” ، تشبيها لها بعملية “إنزال نورماندى” الشهيرة ، وتبدو تكرارا كوميديا للواقعة الأصلية التراجيدية ، وقد لا يمكن اعتبار “ترامب” صاحب براءة اختراع تكرار عملية “نورماندى” ، فقد سبقه إليها ـ عام 1957 ـ الفنان الكوميدى المصرى “عبد الفتاح القصرى” ، وأسمى مركب صيده فى فيلم “إبن حميدو” باسم “نورماندى 2” ، وعرض على إبن حميدو “إسماعيل ياسين” شراء المركب الهزيل ، وأقام حفل غناء ورقص ومبالغات فجة فى مناسبة بيع “نورماندى2” ، وكانت المفاجأة الأكثر كوميدية ، أن “نورماندى” عبد الفتاح القصرى غرقت فى ثوان ولم تستطع الطفو ثانية ، تماما كما تبدو سيرة “نورماندى ترامب” ، الذى يملأ الدنيا ضجيجا عن عبقرية إنزاله الاقتصادى الماحق لإيران ، بينما لا يبدو حظه أفضل كثيرا من حظ “عبد الفتاح القصرى” ، الذى تجمعه مع “ترامب” خصال أخرى ، بينها تراجعه فى كل مرة يقسم فيها “كلمتى ما تنزلش الأرض” ، ثم يعود إلى سحب تهديده على طريقة “تنزل المرة دى” .
ولأن الشئ بالشئ يذكر ، ففى مصر أيضا مثل شعبى دارج يقول “اللى يجرب المجرب عقله مخرب” ، ومعنى المثل الشعبى قريب من عبارة شهيرة لأذكى علماء الفيزياء والرياضيات “ألبرت أينشتاين” ، كان “أينشتاين” يعرف الغباء كالتالى ، الغباء أن تكرر فعل الشئ نفسه وتتوقع نتائج مختلفة ، وأن تمضى فى الطريق الخاطئ مجددا ، وتأمل فى سلامة الوصول وسرعته ، وهو ما لن يحدث بالبداهة العقلية .
و”ترامب” فى حربه على إيران ، التى انتهت إلى خسارته المتكررة ، رغم دخول الحرب شهرها السابع ، يعود كالتاجر المفلس إلى تقليب دفاتره القديمة ، ويعيد تجريب ما جربه من قبل دون جدوى مؤكدة ، ويفرض ما أسماه أعنف عقوبات اقتصادية ومالية فى التاريخ على إيران ، وربما ينسى أو يتناسى ما فعله هو بنفسه قبل أكثر من ثمانى سنوات ، حين قرر فى رئاسته الأولى ـ مايو 2018 ـ انسحاب أمريكا من ما أسمى إعلاميا “الاتفاق النووى الإيرانى” ، وقرر فرض عقوبات الحد الأقصى على إيران ، كان وقتها داخلا فى مباراة مزايدة على رؤساء أمريكيين سبقوه ، لم يتوقفوا أبدا عن فرض عقوبات ضد إيران منذ فوز ثورتها “الخمينية” عام 1979 ، وكانت إيران قد احتجزت عشرات الدبلوماسيين الأمريكيين ورجال المخابرات فى مقر السفارة الأمريكية بطهران ، ورد الرئيسان الأسبقان “جيمى كارتر” و”رونالد ريجان” بتجميد المليارات من أموال إيران المحتجزة ، ومن وقتها ، أبدت الإدارة الأمريكية رغبات محمومة فى فرض المزيد من العقوبات على اقتصاد إيران ، وعلى شركاء إيران التجاريين فى الظل أو فى العلن ، وهو ما زادت وتيرته منذ العام 2006 ، مع محاولات “البيت الأبيض” إضفاء صفة دولية ملزمة على عقوباتها الأحادية ، واستصدرت واشنطن قرارات عقوبات من مجلس الأمن الدولى ، واتجهت العقوبات السابقة والتالية إلى خنق إيران بتروليا وماليا .
وأثرت العقوبات بالفعل على الاقتصاد الإيرانى ، لكنها لم تحقق هدفها فى خنق إيران ، ولا فى وقف أو إعاقة تطوير أسلحتها الصاروخية وبرامجها النووية ، بل جرى العكس بالضبط ، وطورت إيران حيل التفاف على العقوبات ، واتجهت إلى ما أسماه المرشد الراحل “على خامنئى” باقتصاد المقاومة أو اقتصاد البقاء ، وزادت من معدلات الاكتفاء الذاتى فى الغذاء بالذات ، ومن معدلات التصنيع الذاتى للماكينات والسيارات والآلات والأدوية ، وأقامت نظاما تعليميا غاية فى الكفاءة والإنتاجية ، وأفادتها العزلة عن العالم فى تجنب الاستدانة ، وإلى حد أن إيران ـ حتى اليوم ـ ليست مدينة لأحد ولا بدولار واحد ، وحاولت إيران تطوير فضاء اقتصادى يخدمها ، من الانضمام إلى “تحالف شنجهاى” ، وحتى الانضمام إلى مجموعة “البريكس” ، وساعدها امتدادها الجغرافى ، واتصال حدودها مباشرة أو عبر الماء مع 15 دولة ، وأبدعت فى صيغ تبادل تجارى تتجنب التعامل بالدولار ، وصار لها حلفاء أقوياء ، وجيران تتعامل بسلاسة معهم ، من الصين إلى روسيا وباكستان وتركيا ودول آسيا الوسطى والعراق وبعض الدول الأوروبية ، فلدى إيران ما تصدره ويحتاجه الآخرون ، ليس فى مجال البترول والغاز الطبيعى والبتروكيماويات فحسب ، بل فى سلع زراعية وصناعية كثيرة ، فدرجة اعتماد الاقتصاد الإيرانى على تصدير البترول ومشتقاته لا تزيد على الثلاثين بالمئة .
والمعنى ببساطة ، أن حلم ترامب فى خنق إيران ، لا يبدو قابلا للتحقق ، ومهما كانت ضراوة الضغوط الأمريكية على شركاء إيران ، وهو ما بدا ظاهرا فى ردود الفعل الأولى على خطة “ترامب” ووزير خزانته “سكوت بيسنت” ، فقد اعتبرت الصين عقوبات واشنطن “إجراءات أحادية” لا تلزم أحدا ، وفى رئاسة “ترامب” الثانية الجارية ، تحدت الصين “ترامب” وحروب رسومه الجمركية ، واستخدمت ضد واشنطن أسلحة اقتصادية ثقيلة ، من نوع الحظر الجزئى الفعال الذى فرضته على تصدير المعادن الثمينة النادرة إلى أمريكا ، وقامت “بكين” بتنويع وتوسيع خرائط تعاملاتها التجارية ، ونزلت بنسبة احتياجها التجارى للسوق الأمريكية إلى عشرة بالمئة من مجموع تجارتها العالمية ، وحققت فائضا تجاريا مرعبا بمئات مليارات الدولارات فى تعاملاتها مع واشنطن ذاتها ، وكسبت الصين شركاء تجاريين كبارا من الغرب الناقم على رعونة وعجرفة “ترامب” ، من “كندا” إلى “أسبانيا” و”ألمانيا” وغيرها ، وأصبح حجم تجارتها السنوية العالمية يفوق الثلاثة تريليونات دولار ، بينما الفائض التجارى السنوى لصالحها زاد إلى 1200 مليار دولار ، وفى المقابل ، تضخمت ديون أمريكا الداخلية والخارجية ، وقفزت أخيرا إلى ما يفوق الأربعين تريليون دولار .
وتغيرات العالم التى تقودها الصين ، لم تعد تتيح لواشنطن فرص التسلط اللانهائى على الآخرين ، ولا منعهم بالقسر والتخويف من التعامل مع إيران ، فقد أفرط الغرب عموما ، وأفرطت واشنطن بالذات ، فى استخدام سلاح العقوبات ، والقاعدة الفيزيائية السارية ، تقول أن كل شئ يزيد عن حده ينقلب إلى ضده ، وقد أثقلوا كاهل إيران بما يزيد على خمسة آلاف نوع من العقوبات ، لم تسقط إيران بسببها عبر خمسة عقود مضت ، ولا يتصور عاقل أنها ستسقط من التكرار الذى يعلم “الشطار” ، ولا يتعلم منه أمثال الرئيس الكوميدى “دونالد ترامب” ، الذى لن يكون مصير إنزاله “النورماندى” أفضل كثيرا من نهاية مركب “نورماندى 2” لصاحبها الكوميدى الشهير “عبد الفتاح القصرى ” .
لا يعنى ما نقول طبعا أن الشعب الإيرانى لن يتأثر سلبا بالمزيد من العقوبات ، التى لن تقعده عن مواصلة صموده المذهل رغم المحن ، وربما يفضل المحن ، التى تعيد صهر الشعوب الحية وتخلقها خلقا جديدا ، فالشعور بالخطر يوقظ الحواس ، وأن يعيش أحد فى خطر أفضل من أن يموت ، والشعوب لا تموت أبدا مهما بلغ ضيق الحياة وشظف العيش ، ومالا يفهمه أمثال “ترامب” فى التاريخ الإنسانى ، أن ثقافة شعوب الشرق مختلفة ، وبالذات فى دائرة شعوب الإسلام ، التى لا ترى الموت نهاية للحياة ، بل ذهاب إلى حياة أخرى أخلد وأكرم ، تكون فيها مكانة الشهداء فى أعلى عليين ، وثقافة الإسلام الإيرانى تقدس الشهادة والثبات على الحق وتحدى الطغاة والمستكبرين ، وفى المنازلة الجارية منذ عقود ، أثبتت إيران مقدرتها المذهلة على الصمود والتعافى فى أقسى الظروف ، بينما معسكر الاستكبار الأمريكى ، لا يملك بعضا من مقدرة إيران على الصبر وتحمل المكاره ، أضف إلى ذلك ، أن العقل الإيرانى الحضارى معروف بطاقته الإبداعية ، والاعتزاز بتاريخه ضارب الجذور لآلاف السنين ، وفى ظروف الخطر الخارجى الماحق ، تتوحد الشعوب الإيرانية فى قبضة يد ، سواء ممن يعارضون نظام الجمهورية الإسلامية أو ممن يؤيدونه ، والنظام القائم ليس معلقا فى هواء ككثير من جيرانه ، وقاعدة تأييده الشعبى واسعة ، والحلم بإسقاطه عبث من العبث ، سواء بحملات التدمير بالسلاح ، أو بضغوط الخنق الاقتصادى .
To provide the best experiences, we use technologies like cookies to store and/or access device information. Consenting to these technologies will allow us to process data such as browsing behavior or unique IDs on this site. Not consenting or withdrawing consent, may adversely affect certain features and functions.