Site icon masr 306

لواء دكتور “سمير فرج” يكتب: رجل الأقدار.. كتاب يوثق مسيرة زعيم (7)

اللواء سمير فرج

اللواء سمير فرج

أتابع اليوم في مقالي، الذي بدأته منذ أسابيع، استعراض أجزاء من كتاب “رجل الأقدار” الذي أصدرته الهيئة الوطنية للصحافة، والذي يوثق مسيرة الرئيس عبد الفتاح السيسي في أهم اللحظات الفارقة من تاريخ مصر. وقد تناولت في هذا الكتاب الجزء الخاص بمسيرته العسكرية حتى وصوله إلى قصر الاتحادية رئيسًا للجمهورية، وانتهيت في مقالي السابق عند توليه قيادة الفرقة الثانية مشاة ميكانيكي، ثم رئاسة أركان المنطقة الشمالية العسكرية.

وخلال هذه المرحلة، أصبح الرئيس عبد الفتاح السيسي قد خدم في مختلف الاتجاهات الاستراتيجية للدولة المصرية، فبعد خبراته في الجيشين الثاني والثالث الميدانيين، والمنطقة الغربية العسكرية، جاءت خدمته في المنطقة الشمالية العسكرية لتضيف إليه خبرة جديدة في تأمين الاتجاه الشمالي، بما يضمه من مدينة الإسكندرية والساحل الشمالي الغربي، وما يحتويه من أهداف حيوية وقواعد عسكرية وموانئ ومنشآت استراتيجية. وهكذا أصبح ملمًا عمليًا بجميع الاتجاهات الاستراتيجية الرئيسية للدولة المصرية، وهو أمر نادر في مسيرة أي قائد عسكري.

وبعد انتهاء مهمته في المنطقة الشمالية العسكرية، جاء القرار الحاسم في حياته العسكرية، حيث تم تعيينه في يناير 2009 نائبًا لمدير المخابرات الحربية، ليفتتح فصلًا جديدًا في مسيرته داخل أحد أهم الأجهزة السيادية في الدولة.

ولقد كان هذا التعيين مفاجأة كبيرة في حياته، لكنه لم يكن وليد الصدفة، وإنما جاء نتيجة سنوات طويلة من التفوق في مختلف المواقع التي شغلها. فقد رأت القيادة العامة للقوات المسلحة أن يتم إعداده لتولي إدارة المخابرات الحربية مستقبلًا، ولذلك جرى تعيينه نائبًا للمدير لمدة عام، حتى يتعرف على طبيعة عمل هذا الجهاز الحيوي، قبل أن يتولى قيادته.

وبعد عام، صدر القرار الجمهوري بتعيينه مديرًا للمخابرات الحربية، بعد تصديق رئيس الجمهورية الأسبق محمد حسني مبارك، ليصبح المسؤول عن أحد أخطر أجهزة القوات المسلحة المصرية.

ويتذكر الرئيس عبد الفتاح السيسي أن والده، الحاج سعيد السيسي، عندما علم بالخبر من زملائه، أصر على أن يراه فور وصوله إلى القاهرة قادمًا من الإسكندرية. وقبل أن يتجه إلى منزل الأسرة، مر أولًا بمسجد سيدنا الحسين، وصلى ركعتين شكرًا لله، ودعا الله أن يوفقه في مهمته الجديدة، ثم توجه إلى منزل الأسرة، حيث وجد الجميع في انتظاره، وكانت والدته قد أعدت له عشاءً خاصًا احتفالًا بهذه المناسبة.

وعندما دخل المنزل، قبّل رأس والده ثم قبّل يد والدته، فقالت له والدته ببساطتها: “يا ابني أنا معرفش حاجة عن الجيش، لكن ليه المرة دي الناس كلها فرحانة أكتر من أي مرة فاتت؟”. فابتسم قائلاً: “دي بركة ربنا ودعاؤك يا أمي”. وكانت تلك اللحظة تعيد إليه ذكريات أول إجازة حصل عليها من الكلية الحربية، حين رأى في عيني والدته نفس الفرحة التي رآها في ذلك اليوم.

ولم ينته العشاء حتى تلقى اتصالًا من العميد يسري زكي، مدير مكتب المشير محمد حسين طنطاوي، أبلغه فيه: “سيادتك بكرة الساعة التاسعة صباحًا في مكتب وزير الدفاع.”

وفي صباح اليوم التالي، كان حاضرًا في الموعد، فاستقبله المشير طنطاوي بابتسامته المعهودة قائلاً: “مبروك يا عبد الفتاح… شد حيلك… وخلي بالك، الإدارة كبيرة ومحتاجة فهم عميق، وأنا عارف إنك اشتغلت فيها قبل كده، ومذاكرها كويس… عشان المستقبل.”

وكانت هذه الكلمات أول إشارة مباشرة من المشير طنطاوي إلى ثقته الكاملة فيه، وإلى أنه يراه مؤهلًا لقيادة هذا الجهاز في المستقبل.

وبعد انتهاء اللقاء، توجه إلى مكتبه الجديد، وكانت عادته في كل موقع قيادي جديد أن يبدأ بصلاة ركعتين شكرًا لله، ثم جلس يتأمل صور القادة الذين سبقوه في هذا المكتب. وبعد دقائق دخل السكرتير ليعرض عليه جدول مقابلات رؤساء الأفرع، لكنه رفض الأسلوب التقليدي، وقال: “الخطة دي لازم تتغير… أنا اللي همر على كل رئيس فرع في مكتبه، وأستمع إليه هناك، وأتعرف على الضباط بنفسي.”

وخلال ثلاثة أيام فقط، كان قد استمع إلى جميع رؤساء الأفرع، وتكوّنت لديه صورة كاملة عن أعمال إدارة المخابرات الحربية، ثم جلس يضع خطة شاملة لتطوير الإدارة، عرضها على القيادة العامة، فحظيت بالموافقة، وبدأ تنفيذها وفق برنامج زمني محدد.

وجاء ذلك في وقت كانت فيه المسؤولية بالغة الصعوبة، إذ بدأت جماعة الإخوان الإرهابية تتوسع في نشاطها داخل المجتمع المصري، كما ازدادت حركة الأنفاق بين رفح وقطاع غزة، والتي استخدمت في تهريب الأفراد والأسلحة والبضائع، وأصبحت تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري.

وفي ظل هذه الظروف، أدرك الرئيس عبد الفتاح السيسي أن مهمته الجديدة لم تعد مجرد وظيفة عسكرية، وإنما مسؤولية وطنية وتاريخية لحماية الأمن القومي المصري، في واحدة من أدق المراحل التي مرت بها الدولة المصرية.

وأمام هذا الوضع المتفجر، أصدر المشير محمد حسين طنطاوي، القائد العام للقوات المسلحة في ذلك الوقت، تكليفًا مباشرًا إلى اللواء عبد الفتاح السيسي، نائب مدير المخابرات الحربية، بأن يتولى بنفسه الإشراف المباشر على ملف سيناء. وبموجب هذا التكليف، أصبح السيسي يرفع تقارير يومية إلى القيادة العامة للقوات المسلحة عن تطورات الأوضاع الميدانية والأمنية في سيناء، في ظل ظروف بالغة التعقيد، لما كانت تمثله المنطقة من أبعاد أمنية واجتماعية وسياسية شديدة الحساسية.

ومن خلال متابعته لهذا الملف، أدرك أن تحقيق الأمن في سيناء لا يعتمد فقط على الإجراءات الأمنية، وإنما يحتاج أيضًا إلى تنمية حقيقية واستقرار سكاني، ولذلك تبنى فكرة إنشاء القرى البدوية الجديدة لتوطين البدو الرحل داخل سيناء، بما يحقق الاستقرار لهم ويعزز من ارتباطهم بأرضهم، وكانت هذه من أوائل المهام التي أشرف على تنفيذها خلال تلك المرحلة.

Email: sfarag.media@outlook.com

Exit mobile version