“عبدالحليم قنديل” يكتب: حرب الإبادة المستعادة على إيران ..
ahmed ibrahim
عبد الحليم قنديل
قضى الأمر ، وصرنا فى انتظارجولة عسكرية جديدة من حرب أمريكا على إيران ، والموعد يحدده الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب” ، وبحسب ما يراه فى مصلحته الشخصية ، وقد لا يكون مستبعدا أن تبدأ الجولة الجديدة قبل انتخابات التجديد النصفى الأمريكية أوائل نوفمبر المقبل ، وإن كان مرجحا ، أن يجعلها “ترامب” عقب الانتحابات كما أعلن ، و”ماراثون” مفاوضات نيويورك ، أو تبادلات الرسائل الأخيرة عبر الوسيط القطرى ، كلها لا زالت مستمرة بغير توقف ، لكنها واصلة ـ على ما يبدو ـ إلى الحائط المسدود ، بعد أن أعلن “ترامب” رفضه لخطة “الأيام السبعة” الإيرانية ، ورغبته فى الانتقال رأسا إلى مفاوضات الملف النووى ، ودفع إيران إلى تقديم تنازلات فيه ، خصوصا فى بند التخلص من مخزون اليورانيوم الإيرانى المخصب بنسبة تفوق الستين بالمئة ، بينما تبدو إيران راغبة فى ترحيل التفاوض حول الملف النووى ، والتركيز على فتح “مضيق هرمز” ، مقابل تعهدات أمريكية عاجلة ، أولها رفع الحصار البحرى والاقتصادى الأمريكى ، وفك الحظر على الأموال الإيرانية المجمدة ، ووقف الحرب تماما على جميع الجبهات بما فيها لبنان .
والمحصلة ببساطة من التفاوض الجارى ، أنه لا اتفاق قريب وارد ، وأن التفاوض قد يخلى مكانه لصدام عسكرى متجدد ، يسميه “ترامب” ضربة الإبادة إن تعثرت الصفقة ، وقد تتعجله إيران بأكثر مما تريد إدارة “ترامب” ، الذى لا يفضل اشتعال النار الكبرى قبل الانتخابات النصفية ، وما قد يصاحبها من ارتفاع مضاف فى أسعار المحروقات بالداخل الأمريكى ، وبما يساعد أكثر فى تحقق توقعات ذهاب أغلبية مقاعد “مجلس النواب” و”مجلس الشيوخ” الأمريكيين إلى “الحزب الديمقراطى ” المعارض حاليا للحرب ، التى تتدهور شعبيتها فى إطراد ، وتتهاوى معها شعبية “ترامب” ، الذى لا تقتنع غالبية الرأى العام الأمريكى بترهاته حول انتصاره الساحق ، وعن سيطرته الكاملة على “مضيق هرمز” ، وإعادة تدفقات الملاحة البترولية فيه إلى مستويات ما قبل الحرب ، فلا أحد هناك فى انتظار تصريحاته وهلوساته ، وهم يلمسون النار فى أياديهم وجيوبهم ، وبالذات مع غلاء غير مسبوق فى أسعار “البنزين” و”الديزل” والأسمدة
والبتروكيماويات عموما .
وفى الجولة الحربية المنتظرة ، قد يميل “ترامب” إلى إعادة ما كان فى أول حرب السبعة شهور ، وأن يعود لشراكة ميدانية رسمية مباشرة مع “إسرائيل” فى الحرب على إيران ، وربما توريط أطراف عربية خليجية بالذات فى الحرب بجوار “إسرائيل” ، وبهدف التدمير الشامل وإبادة بنية إيران التحتية المدنية ، وتقديم شعار إسقاط النظام الإيرانى ، الذى يقول “بنيامين نتنياهو” أنه ممكن ، ويسعى لتجنيد الجيوش الأمريكية من أجله مجددا ، ويروج لوهم الضعف غير المسبوق للنظام الإيرانى ، الذى يغرى الأمريكيين وتوابعهم بتكرار المحاولة ، والاعتماد على القدرات “الأسطورية” المنسوبة لجهاز المخابرات “الإسرائيلية” الموساد بالداخل الإيرانى ، والثقة فى مقدرته على توفير المعلومات المطلوبة لعملية “قطع رأس” نظام فى حالة إنهاك ، ثم تكفل جهاز “الموساد” بالخطوة اللاحقة ، ودفع جماهير إيران المعارضة إلى الخروج فى ثورة تخلع “النظام الإسلامى” من جذوره ، تماما كما أقنع “نتنياهو” “ترامب” فى أول الحرب ، وجعل له “البحر طحينة” كما يقول المثل ، وصور له أن خطة الإجهاز على إيران لن تستغرق سوى أيام ، وظل “ترامب” يردد الأوهام كالببغاء من وراء “نتنياهو” ، وإلى أن غرق فى المستنقع الإيرانى لأكثر من سبعة شهور حتى الآن ، ومن دون أن يسقط النظام الإيرانى طبعا ، ولا رفعت طهران راية الاستسلام البيضاء .
ونقطة الضعف القاتلة فى التصور “الإسرائيلى” الذى صار أمريكيا ، هى أنهم لم يتوقعوا ماجرى من صمود إيرانى مذهل ، ومن مقدرة القوات المسلحة الإيرانية (الجيش والحرس الثورى) على التخفى بمخزونات المسيرات والصواريخ ، وعلى إقامة مدن صاروخية محصنة فى بطون الجبال “الجرانيتية ” الصخور ، وعلى الاحتفاظ بغالب قوتهم الصاروخية ، بل والإضافة إليها بإنتاج جديد ، وبتطوير فى مديات الصواريخ ودقتها فى إصابة الأهداف ، سواء بسعى ذاتى تقنى متطور ، أو بالحصول على تقنيات إضافية من حلفاء إيران فى الصين وروسيا ، وهو ما حاول “ترامب” الحد منه فى قمته الأخيرة مع الرئيس الصينى “شى جين بينج” ، الذى لا يناقش سلوك الصين العسكرى والتقنى مع أحد ، وصمم على الظهور فى صورة القائد العالمى المسئول المدافع عن القانون الدولى المتحدى لشريعة الغاب الأمريكية ، ودعا لوقف الحرب والعودة إلى مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية ، التى يصر “ترامب” على تخطيها رغم سابقة توقيعه عليها ، ويسعى لإرغام طهران على القبول بتفكيك برنامجها النووى بالكامل ، وتصفير التخصيب النووى ، ونقل مخزون يورانيوم التخصيب العالى إلى خارج إيران ، أو تسليمه مباشرة إلى واشنطن .
وما من أحد عاقل متعظ بما كان ، يتوقع أن تخضع إيران بالحرب المستعادة أيا كان توقيتها ومهما كانت ضرواتها ، والسبب ببساطة ، أن شهور الحرب أثبتت قوة ورسوخ نظام “الجمهورية الإسلامية” فى إيران ، وتمتعه بتأييد شعبى غلاب ، يظهر كل ليلة فى حشود التأييد الحماسية فى بساحات وميادين مدن إيران الكبرى ، وهذا هو الركن والسند الجوهرى ، الذى لم يهزه قطع رأس المرشد الإيرانى الراحل “على خامنئى” فى أول ساعات الحرب صباح 28 فبراير2026 ، وإلى أن جرى على وجه السرعة إحلال المرشد الجديد “مجتبى خامنئى” ، وإحلال عشرات القادة العسكريين الجدد كبدلاء للذين اغتيلوا مع السيد “على خامنئى” ، وإلى أن بدت النسخة الجديدة من النظام أكثر ثباتا وتشددا ، بل أن تبديل المرشد بالذات ، وإحلال “مجتبى” الأصغر سنا ( 56 سنة) محل الأب الراحل فى سنته السادسة والثمانين ، جعل رأس النظام أكثر جرأة ومخاطرة ، وعلى نحو ما يدل عليه البيان الأخير المكتوب للمرشد “مجتبى” المتوارى عن الأنظار ، ودعوته لمطاردة سفن البحرية الأمريكية من “بحر العرب” إلى “المحيط الهندى” ، وهو ما بدا كقول جدى غير معلق فى هواء ، وقدم “الحرس الثورى” الإيرانى دليلا مضافا على إمكانيته ، عبر الإعلان عن سيطرته على غواصة أمريكية مسيرة ذاتية التشغيل من طراز “ريموس 600” ، وهى من مفاخر التكنولوجيا الأمريكية ، وتمسح قاع البحر على عمق 600 متر ، وقد اصطادتها بحرية “الحرس الثورى” من أعماق “مضيق هرمز” بعملية الكترونية بالغة التعقيد ، تكررت للمرة الثانية ، إضافة لإسقاط نحو 50 طائرة أمريكية مسيرة من طراز “إم كيو.9″ و”إم كيو .1” ، تتكلف الواحدة منها أكثر من ثلاثين مليون دولار .
وعمليات اصطياد الغواصات المتطوررة تفوق فى مغزاها المعنى الحربى المباشر ، فهى تثبت ـ أولا ـ عقم وكذب التصريحات الأمريكية حول القضاء الكلى على قدرات البحرية الإيرانية ، والأهم أنها تبدو كصيد لغنيمة تكنولوجية كبرى لإيران ، التى لديها تاريخ طويل من عمليات “الهندسة العكسية” وصناعة بدائل تخصها ، ولا مانع عند إيران ـ بالطبع ـ من مشاركة الأسرار التكنولوجية الأمريكية مع الحلفاء الروس والصينيين ، ومقابل ما قدمه الحلفاء لإيران من صور الأقمار الصناعية والإحداثيات الدقيقة لعمليات ضرب وتدمير القواعد الأمريكية بالمنطقة ، وتزويد إيران بتقنيات “فرط صوتية” للصواريخ الجوالة “كروز” ، وبما مكن إيران من استهداف قطع بحرية أمريكية بالقرب من سواحلها ، إضافة لما تملكه إيران بالفعل من صواريخ باليستية بالغة التطور والمقدرة التدميرية ، وعلى نحو ما احتفى به التليفزيون الصينى ، الذى أذاع مؤخرا “فيديو” قصيرا مدته 287 ثانية ، عرض صورا نادرة عن الدمار المرعب الذى لحق بكيان الاحتلال بسبب الضربات الصاروخية الإيرانية السابقة ، وهى الضربات المرشحة لاستئناف أقوى مع جولة الحرب الجديدة المنتظرة ، بعد أن توقفت إيران طويلا عن ضرب كيان الاحتلال ، وتركت له فرص الاستفراد والتوحش والإبادة فى غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان وفى قلب المسجد الأقصى المبارك ، ومن دون تحسب أو تخوف من ردود عقابية لا تأتى من أى طرف عربى أو إسلامى ، ولا حتى من النوع اللين الهين الذى تقدم عليه حكومات أوروبية فى الأسابيع الأخيرة .
وبالجملة ، تبدو إيران فى وضع أكثر استعدادا لملاقاة عدوها الأمريكى “الإسرائيلى” فى الجولة المنتظرة ، وهى ـ أى إيران ، لن تقدم على الأغلب أى تنازلات مطلوبة أمريكيا فى الملف النووى ، وعينها على الحرب المتجددة ، وهى تسعى لإلحاق أذى وخسائر أكثر تدميرا بالقواعد الأمريكية فى المنطقة ، وبقواعد أمريكا فى “إسرائيل” أيضا ، وليس لدى طهران الكثير لتخسره ، بعد أن اشتد عليها الخناق الاقتصادى ، وتقييد حركة طيرانها المدنى ، وبما يضيف إلى دواعيها فى الانتقام العسكرى ، وعلى نحو قد يتجاوز مصالح عدوها الأمريكى “الإسرائيلى” المباشر ، ويحرق المنطقة كلها ، من “مضيق هرمز” إلى “مضيق باب المندب” ، وعلى طريقة “ياروح ما بعدك روح” .
Kandel2002@hotmail.com
To provide the best experiences, we use technologies like cookies to store and/or access device information. Consenting to these technologies will allow us to process data such as browsing behavior or unique IDs on this site. Not consenting or withdrawing consent, may adversely affect certain features and functions.