Site icon masr 306

“عبدالحليم قنديل” يكتب: حرب الإبادة المستعادة على إيران ..

عبد الحليم قنديل

عبد الحليم قنديل

قضى الأمر ، وصرنا فى انتظارجولة عسكرية جديدة من حرب أمريكا على إيران ، والموعد يحدده الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب” ، وبحسب ما يراه فى مصلحته الشخصية ، وقد لا يكون مستبعدا أن تبدأ الجولة الجديدة قبل انتخابات التجديد النصفى الأمريكية أوائل نوفمبر المقبل ، وإن كان مرجحا ، أن يجعلها “ترامب” عقب الانتحابات كما أعلن ، و”ماراثون” مفاوضات نيويورك ، أو تبادلات الرسائل الأخيرة عبر الوسيط القطرى ، كلها لا زالت مستمرة بغير توقف ، لكنها واصلة ـ على ما يبدو ـ إلى الحائط المسدود ، بعد أن أعلن “ترامب” رفضه لخطة “الأيام السبعة” الإيرانية ، ورغبته فى الانتقال رأسا إلى مفاوضات الملف النووى ، ودفع إيران إلى تقديم تنازلات فيه ، خصوصا فى بند التخلص من مخزون اليورانيوم الإيرانى المخصب بنسبة تفوق الستين بالمئة ، بينما تبدو إيران راغبة فى ترحيل التفاوض حول الملف النووى ، والتركيز على فتح “مضيق هرمز” ، مقابل تعهدات أمريكية عاجلة ، أولها رفع الحصار البحرى والاقتصادى الأمريكى ، وفك الحظر على الأموال الإيرانية المجمدة ، ووقف الحرب تماما على جميع الجبهات بما فيها لبنان .
والمحصلة ببساطة من التفاوض الجارى ، أنه لا اتفاق قريب وارد ، وأن التفاوض قد يخلى مكانه لصدام عسكرى متجدد ، يسميه “ترامب” ضربة الإبادة إن تعثرت الصفقة ، وقد تتعجله إيران بأكثر مما تريد إدارة “ترامب” ، الذى لا يفضل اشتعال النار الكبرى قبل الانتخابات النصفية ، وما قد يصاحبها من ارتفاع مضاف فى أسعار المحروقات بالداخل الأمريكى ، وبما يساعد أكثر فى تحقق توقعات ذهاب أغلبية مقاعد “مجلس النواب” و”مجلس الشيوخ” الأمريكيين إلى “الحزب الديمقراطى ” المعارض حاليا للحرب ، التى تتدهور شعبيتها فى إطراد ، وتتهاوى معها شعبية “ترامب” ، الذى لا تقتنع غالبية الرأى العام الأمريكى بترهاته حول انتصاره الساحق ، وعن سيطرته الكاملة على “مضيق هرمز” ، وإعادة تدفقات الملاحة البترولية فيه إلى مستويات ما قبل الحرب ، فلا أحد هناك فى انتظار تصريحاته وهلوساته ، وهم يلمسون النار فى أياديهم وجيوبهم ، وبالذات مع غلاء غير مسبوق فى أسعار “البنزين” و”الديزل” والأسمدة
والبتروكيماويات عموما .
وفى الجولة الحربية المنتظرة ، قد يميل “ترامب” إلى إعادة ما كان فى أول حرب السبعة شهور ، وأن يعود لشراكة ميدانية رسمية مباشرة مع “إسرائيل” فى الحرب على إيران ، وربما توريط أطراف عربية خليجية بالذات فى الحرب بجوار “إسرائيل” ، وبهدف التدمير الشامل وإبادة بنية إيران التحتية المدنية ، وتقديم شعار إسقاط النظام الإيرانى ، الذى يقول “بنيامين نتنياهو” أنه ممكن ، ويسعى لتجنيد الجيوش الأمريكية من أجله مجددا ، ويروج لوهم الضعف غير المسبوق للنظام الإيرانى ، الذى يغرى الأمريكيين وتوابعهم بتكرار المحاولة ، والاعتماد على القدرات “الأسطورية” المنسوبة لجهاز المخابرات “الإسرائيلية” الموساد بالداخل الإيرانى ، والثقة فى مقدرته على توفير المعلومات المطلوبة لعملية “قطع رأس” نظام فى حالة إنهاك ، ثم تكفل جهاز “الموساد” بالخطوة اللاحقة ، ودفع جماهير إيران المعارضة إلى الخروج فى ثورة تخلع “النظام الإسلامى” من جذوره ، تماما كما أقنع “نتنياهو” “ترامب” فى أول الحرب ، وجعل له “البحر طحينة” كما يقول المثل ، وصور له أن خطة الإجهاز على إيران لن تستغرق سوى أيام ، وظل “ترامب” يردد الأوهام كالببغاء من وراء “نتنياهو” ، وإلى أن غرق فى المستنقع الإيرانى لأكثر من سبعة شهور حتى الآن ، ومن دون أن يسقط النظام الإيرانى طبعا ، ولا رفعت طهران راية الاستسلام البيضاء .
ونقطة الضعف القاتلة فى التصور “الإسرائيلى” الذى صار أمريكيا ، هى أنهم لم يتوقعوا ماجرى من صمود إيرانى مذهل ، ومن مقدرة القوات المسلحة الإيرانية (الجيش والحرس الثورى) على التخفى بمخزونات المسيرات والصواريخ ، وعلى إقامة مدن صاروخية محصنة فى بطون الجبال “الجرانيتية ” الصخور ، وعلى الاحتفاظ بغالب قوتهم الصاروخية ، بل والإضافة إليها بإنتاج جديد ، وبتطوير فى مديات الصواريخ ودقتها فى إصابة الأهداف ، سواء بسعى ذاتى تقنى متطور ، أو بالحصول على تقنيات إضافية من حلفاء إيران فى الصين وروسيا ، وهو ما حاول “ترامب” الحد منه فى قمته الأخيرة مع الرئيس الصينى “شى جين بينج” ، الذى لا يناقش سلوك الصين العسكرى والتقنى مع أحد ، وصمم على الظهور فى صورة القائد العالمى المسئول المدافع عن القانون الدولى المتحدى لشريعة الغاب الأمريكية ، ودعا لوقف الحرب والعودة إلى مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية ، التى يصر “ترامب” على تخطيها رغم سابقة توقيعه عليها ، ويسعى لإرغام طهران على القبول بتفكيك برنامجها النووى بالكامل ، وتصفير التخصيب النووى ، ونقل مخزون يورانيوم التخصيب العالى إلى خارج إيران ، أو تسليمه مباشرة إلى واشنطن .
وما من أحد عاقل متعظ بما كان ، يتوقع أن تخضع إيران بالحرب المستعادة أيا كان توقيتها ومهما كانت ضرواتها ، والسبب ببساطة ، أن شهور الحرب أثبتت قوة ورسوخ نظام “الجمهورية الإسلامية” فى إيران ، وتمتعه بتأييد شعبى غلاب ، يظهر كل ليلة فى حشود التأييد الحماسية فى بساحات وميادين مدن إيران الكبرى ، وهذا هو الركن والسند الجوهرى ، الذى لم يهزه قطع رأس المرشد الإيرانى الراحل “على خامنئى” فى أول ساعات الحرب صباح 28 فبراير2026 ، وإلى أن جرى على وجه السرعة إحلال المرشد الجديد “مجتبى خامنئى” ، وإحلال عشرات القادة العسكريين الجدد كبدلاء للذين اغتيلوا مع السيد “على خامنئى” ، وإلى أن بدت النسخة الجديدة من النظام أكثر ثباتا وتشددا ، بل أن تبديل المرشد بالذات ، وإحلال “مجتبى” الأصغر سنا ( 56 سنة) محل الأب الراحل فى سنته السادسة والثمانين ، جعل رأس النظام أكثر جرأة ومخاطرة ، وعلى نحو ما يدل عليه البيان الأخير المكتوب للمرشد “مجتبى” المتوارى عن الأنظار ، ودعوته لمطاردة سفن البحرية الأمريكية من “بحر العرب” إلى “المحيط الهندى” ، وهو ما بدا كقول جدى غير معلق فى هواء ، وقدم “الحرس الثورى” الإيرانى دليلا مضافا على إمكانيته ، عبر الإعلان عن سيطرته على غواصة أمريكية مسيرة ذاتية التشغيل من طراز “ريموس 600” ، وهى من مفاخر التكنولوجيا الأمريكية ، وتمسح قاع البحر على عمق 600 متر ، وقد اصطادتها بحرية “الحرس الثورى” من أعماق “مضيق هرمز” بعملية الكترونية بالغة التعقيد ، تكررت للمرة الثانية ، إضافة لإسقاط نحو 50 طائرة أمريكية مسيرة من طراز “إم كيو.9″ و”إم كيو .1” ، تتكلف الواحدة منها أكثر من ثلاثين مليون دولار .
وعمليات اصطياد الغواصات المتطوررة تفوق فى مغزاها المعنى الحربى المباشر ، فهى تثبت ـ أولا ـ عقم وكذب التصريحات الأمريكية حول القضاء الكلى على قدرات البحرية الإيرانية ، والأهم أنها تبدو كصيد لغنيمة تكنولوجية كبرى لإيران ، التى لديها تاريخ طويل من عمليات “الهندسة العكسية” وصناعة بدائل تخصها ، ولا مانع عند إيران ـ بالطبع ـ من مشاركة الأسرار التكنولوجية الأمريكية مع الحلفاء الروس والصينيين ، ومقابل ما قدمه الحلفاء لإيران من صور الأقمار الصناعية والإحداثيات الدقيقة لعمليات ضرب وتدمير القواعد الأمريكية بالمنطقة ، وتزويد إيران بتقنيات “فرط صوتية” للصواريخ الجوالة “كروز” ، وبما مكن إيران من استهداف قطع بحرية أمريكية بالقرب من سواحلها ، إضافة لما تملكه إيران بالفعل من صواريخ باليستية بالغة التطور والمقدرة التدميرية ، وعلى نحو ما احتفى به التليفزيون الصينى ، الذى أذاع مؤخرا “فيديو” قصيرا مدته 287 ثانية ، عرض صورا نادرة عن الدمار المرعب الذى لحق بكيان الاحتلال بسبب الضربات الصاروخية الإيرانية السابقة ، وهى الضربات المرشحة لاستئناف أقوى مع جولة الحرب الجديدة المنتظرة ، بعد أن توقفت إيران طويلا عن ضرب كيان الاحتلال ، وتركت له فرص الاستفراد والتوحش والإبادة فى غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان وفى قلب المسجد الأقصى المبارك ، ومن دون تحسب أو تخوف من ردود عقابية لا تأتى من أى طرف عربى أو إسلامى ، ولا حتى من النوع اللين الهين الذى تقدم عليه حكومات أوروبية فى الأسابيع الأخيرة .
وبالجملة ، تبدو إيران فى وضع أكثر استعدادا لملاقاة عدوها الأمريكى “الإسرائيلى” فى الجولة المنتظرة ، وهى ـ أى إيران ، لن تقدم على الأغلب أى تنازلات مطلوبة أمريكيا فى الملف النووى ، وعينها على الحرب المتجددة ، وهى تسعى لإلحاق أذى وخسائر أكثر تدميرا بالقواعد الأمريكية فى المنطقة ، وبقواعد أمريكا فى “إسرائيل” أيضا ، وليس لدى طهران الكثير لتخسره ، بعد أن اشتد عليها الخناق الاقتصادى ، وتقييد حركة طيرانها المدنى ، وبما يضيف إلى دواعيها فى الانتقام العسكرى ، وعلى نحو قد يتجاوز مصالح عدوها الأمريكى “الإسرائيلى” المباشر ، ويحرق المنطقة كلها ، من “مضيق هرمز” إلى “مضيق باب المندب” ، وعلى طريقة “ياروح ما بعدك روح” .
Kandel2002@hotmail.com

Exit mobile version