Site icon masr 306

“عبدالحليم قنديل” يكتب: حرب “ترامب” إعادة بلا إفادة ..

الكاتب الصحفي د عبد الحليم قنديل

الكاتب الصحفي د عبد الحليم قنديل

     أحيانا ، قد تكون “فى الإعادة إفادة” كما يقولون ، ولكن ليس مع الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب” ، الذى يعود ليعيد ذات اللغة ، التى سبقت وصاحبت سبعة شهور مضت من حربه على إيران ، وعاد لتلخيصها ببساطة على طريقة “إما الإبادة أو الصفقة” على منصة الاجتماع السنوى الأخيررفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة ، ولا تتساءل من فضلك عن ما يبدو منطقيا ، وهو كيف يمكن لرئيس دولة عظمى تهديد دولة أخرى بالإبادة الجماعية من فوق منبر دولى ؟، وكيف يعلن نيته فى ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية ؟ ، وإلى غيرها من أسئلة مدفوعة بالنوايا الطيبة ، وبطبيعة منظمة الأمم المتحدة ذاتها ، وكونها منبرا مفترضا لأحاديث عن القانون الدولى وقواعده الإنسانية ، ومع “ترامب” فلا معنى لحكايات القانون الدولى أو القانون الإنسانى الدولى ، وجوابه قديم على هذه القصص ، فهو محكوم بقانونه الشخصى وبأخلاقه “الرفيعة” وحدها ، وهو طالب فى نفس خطابه الأخير بما هو أفدح ، وطلب ـ بصيغة الأمر ـ من كل الدول المعنية الانسحاب فورا من اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية ، وطالب قبلها”هولندا” بإغلاق مقر المحكمة التى تستضيفها على أراضيها ، وطرد كل قضاتها ومدعيها فورا ، وبعد أن راكم عقوبات أمريكية بلا نهاية ضد قضاة ومنتسبى محكمة الجنايات الدولية ، والسبب مفهوم ، فهو لا يريد قضاء دوليا محايدا أو شبه محايد من أساسه ، ويريد منح حصانة كاملة لمجرمى الحروب بالذات ، وأولهم صديقه ومهبط وحيه ووسواسه الخناس “بنيامين نتنياهو” رئيس وزراء كيان الاحتلال “الإسرائيلى” (!) .

    ما علينا ، المهم أن “ترامب” أعاد نفس تهديد الإبادة أو المحو لإيران وحضارتها ووجودها ، وهو يكرر ويعيد ذات الإسطوانات المشروخة عن البرنامج النووى الإيرانى ، ويعد هذه المرة بقصف مدمر لموقع “جبل الفأس” الإيرانى ، وهو “ترامب” نفسه الذى قال أنه محا البرنامج النووى الإيرانى ومفاعلاته ، وأعلنها جازمة قبل أكثر من سنة ، أنه قضى على برنامج إيران النووى بعملية “مطرقة منتصف الليل” خلال حرب الإثنى عشر يوما فى يونيو 2025 ، ثم عاد بعد خطابه الأخير فى “الجمعية العامة” لتأكيد ذات المعنى ، وأعاد ما يسميه رأيه الشخصى ، وأنه قضى تماما على طموح إيران النووى ، بقصف مفاعل “فوردو” بالقاذفات النووية “بى ـ 2” وتدميره تماما بقنابل “جى ـ بى ـ يو 57” ، التى تزن الواحدة منها نحو 14 طنا ، لكنه يعود عن كلامه فى ذات الجملة ، ويطالب إيران بالتخلى عن مشروعها النووى ، وإن كان ينقل المزاد هذه المرة من “فوردو” إلى “جبل الفأس” الموقع الأشد تحصينا ، ولو كان يستطيع لفعل من قبل ، لكنه “الهوس” الذى يأخذ منه عقله ويلاعب أحلامه المرضية وفقاعته الشخصية .

   وليس مستبعدا بالطبع ، أن يشن “ترامب” ما يسميه ضربته الساحقة الماحقة ، سواء قبل انتخابات التجديد النصفى الأمريكية أو بعدها ، مع ترجيحنا أن يؤجل ضربته إلى ما بعد الانتخابات النصفية ، وهو يذكر إيران بأنه ليس مرشحا فى هذه الانتخابات ، وأنه مستمر فى رئاسة البيت الأبيض لعامين مقبلين ، وهو ما تعرفه إيران ويعرفه غيرها بالبداهة ، لكن “ترامب” هنا يذكر نفسه أولا ، وبالطبع ، لا يحب أن يذكر نفسه بحقائق أخرى ، بينها أن شعبيته التى يفاخر بها ، هبطت فى استطلاعات رأى أخيرة إلى 32% ، وهى ذات النسبة من الرأى العام الأمريكى ، التى لا تزال تؤيد حربه الخاسرة على إيران ، وهو يريد أن يقنعهم بإعادة السنة أو بإعادة الحرب ، وعلى أمل أن يحقق فى الإعادة نتائج أفضل ، وأن يرغم إيران على رفع الراية البيضاء والاستسلام التام ، وهو ما لن يحدث غالبا مهما فعل ، وحتى لو لجأ جنونا إلى ضرب إيران بقنابل نووية استراتيجية أو تكتيكية ، ويبدو أن “ترامب” يعرف غريزيا هذه النتيجة مسبقا ، وإن لجأ إلى مراوغة نفسه .

    وبعد حديث زاعق عن إبادة إيران ، عاد لأحاديث التفاوض مع إيران ، وأعلن أن جولة تفاوض عقدت على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ، شارك بها من جانب “ترامب” مبعوثاه المقاولان المفضلان “ستيف ويتكوف” و”جاريد كوشنير” ، فيما شارك من جانب إيران “عباس عراقجى” وزير خارجية طهران ، وقد استمرت جلسة التفاوض لثلاث ساعات ، وعقدت بحسب شروط طهران المعتادة ، وفى صورة مفاوضات غير مباشرة ، تنقل فيها الوسيط “القطرى” بين الوفدين ، وفيما بدت الجهات الإيرانية متحفظة ، ولم تزد على قول أن “عراقجى” نقل للأمريكيين شروط إيران لفتح مضيق “هرمز” ، وهى الشروط التى أعلنها من قبل الجنرال “محسن رضائى” أمين مجلس الأمن القومى الإيرانى ، وتضمنت كما هو معروف عناوين ثلاثة ، هى رفع الحصار البحرى والاقتصادى الأمريكى عن إيران ، ووقف الحرب نهائيا على جميع الجبهات بما فيها لبنان واليمن ، وفك الحظر عن أموال إيران المجمدة البالغة نحو 120 مليار دولار ، وهى شروط واردة فى مذكرة التفاهم الشهيرة ، التى انسحب منها “ترامب” بعد توقيعه عليها من قصر “فرساى” ، والتى عدت نصرا تفاوضيا لإيران ، وشكلت موقفا ثابتا لإيران ، حتى لو لجأت إلى تجزئتها هذه المرة ، بينما أعلن “ترامب” مرارا رفضه العودة إلى بنود المذكرة ، وتصميمه على فرض شروط أخرى تناسبه ، ورغم ذلك ، راح “ترامب” يمتدح ما جرى فى جلسة التفاوض غير المباشر مع “عراقجى” ، ويصف ماجرى بأنه ممتاز ، أى أنه تراجع ولو مؤقتا عن حديث الإبادة ، ويريد أن يبيع وهم الصفقة للرأى العام الأمريكى الساخط عليه قبل انتخابات التجديد النصفى ، وفى وقت تزيد فيه أسعار البترول على نحو مطرد ، ويحتمل أن تصل إلى 130 دولار للبرميل بسبب الإغلاق الفعلى لمضيق “هرمز” ، وتتضاعف معه أسعار “البنزين” و”الديزل” فى الأسواق الأمريكية ، وبما يهدد بتحقق توقعات انتقال الأغلبية فى مجلسى النواب والشيوخ إلى “الحزب الديمقراطى” فى انتخابات أوائل نوفمبر المقبل ، وهو ما يتخوف منه “ترامب” ويتأبط شروره ، وأهونها تحويله إلى “بطة عرجاء” فى النصف الأخير من رئاسته الثانية .

    ومن الوارد طبعا ، أن ينطوى ما يجرى على خديعة متكررة ، وأن يستخدم “ترامب” إيحاء الاتجاه إلى صفقة مع إيران لعبور وقت الانتخابات ، ثم يعود إلى اختيار الإبادة بعدها وتوجيه ضربته الموعودة ، وقد فعلها من قبل لثلاث مرات ، ولا بد أن الإيرانيين يدركون ذلك ، وربما يلجأون إلى تقطيع الوقت وإطالة أمد التفاوض ، وهم ـ أى الإيرانيون ـ أساتذة فى فن التفاوض وتوزيع الأدوار ، وهو ما يفسر غضبا إعلاميا فى الداخل الإيرانى على جولة تفاوض “نيويورك” ، وتوجيه اللوم العنيف إلى “عباس عراقجى” شخصيا ، واتهامه بالتصرف من تلقاء ذاته ، فالاتجاه السائد فى مؤسسات النظام الإيرانى ، هو أن مناخ الحرب لا التعجل فى التفاوض ، قد يكون أفيد لإيران ، التى أضافت مددا جديدا لوضعها القتالى يعزز صمودها المذهل ، وحصلت على تقنيات صاروخية جديدة من انتاجها الذاتى ، أو من إمدادات صينية وروسية ، تترجم وتعكس رغبة التشكيلات المسلحة الإيرانية فى الانتقال من حالة الردع الدفاعى إلى المعنى الهجومى ، ومطاردة البحرية الأمريكية بالقرب من شواطئ إيران ، أو حتى فى قاعدة إمدادها البعيدة فى “دييجوجارسيا” على مسافة آلاف الأميال ، وتقارير المخابرات الأمريكية نفسها تتحدث عن حصول إيران على تقنية “فرط صوتية” لصواريخها الجوالة “كروز” ، وتنفيذ تجارب بالنار الحية على قطع البحرية الأمريكية المحاصرة للموانئ الإيرانية .

    والمحصلة بالجملة ، أن تهديد “ترامب” لإيران بضربة إبادة ، قد يرتد عليه سلبا ، فأجواء الحرب فى ذاتها تزيد التهاب أسعار المحروقات بالداخل الأمريكى ، ووقتها لن تنفعه أكاذيب ساذجة من نوع ، أنه ساعد فى ضمان عبور مليار برميل يترول من مضيق “هرمز” ، أو أن إيران ستخضع حتما بسبب قسوة خطة الخنق الاقتصادى ، ثم أن العودة لعمل عسكرى جوى مهما كان عنيفا ، لن تحقق هدف القضاء على النظام الإيرانى ، وقد عاد لترديده بعد كل ما جرى ، تماما كما كان يقوله فى 28 فبراير 2026 أول ساعات الحرب الجارية ، ثم ابتلع لسانه بعد الفشل ، وادعى مرات أنه لا يريد اسقاط نظام “الجمهورية الإسلامية” ، وها هو يعيد ما كان أولا ، ويعيد اللعبة ذاتها ، أى التظاهر بالتفاوض مع التجهيز للحرب ، وعلى ظن أنه قد تكون فى الإعادة إفادة ، بينما النتيجة مرئية مسبقا ، وأقرب إلى العين من طرف الإصبع ، وهى أن عودته لقصف شامل لن تحقق جديدا ، مالم يقرروا غزو إيران بريا ، وهو المستحيل تماما مع “ترامب” أو بغيره ، فهو الجحيم المستعجل للجنود الأمريكيين .

Kandel2002@hotmail.com

Exit mobile version