Site icon masr 306

“عبدالحليم قنديل” يكتب: حرب “خامنئى” تلحق وداعه ..  

عبد الحليم قنديل

عبد الحليم قنديل

    فى ذروة تصاعد حركة الحشود المليونية بتوديع جثمان القائد الأعلى الإيرانى “على خامنئى”، صعدت الاحتكاكات الحربية حول “مضيق هرمز” إلى ذروة جديدة ، تكاد تهدد بالعودة إلى حرب شاملة ، بدأت باغتيال السيد “خامنئى” وعشرات من القادة العسكريين الإيرانيين صباح 28 فبراير 2026 ، وكأننا نعود إلى نقطة البدء الحربية من جديد ، وبالذات مع إعلان “الحرس الثورى” الإيرانى عن ردود عسكرية أعنف ، وإعلان الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب” من قمة حلف شمال الأطلنطى “الناتو” فى “أنقرة” عن نهاية مذكرة التفاهم مع إيران ، وإعلانه أنه لا يؤيد شخصيا استمرار التفاوض مع الإيرانيين ، ووصفه المفاوضين الإيرانيين بنعوت مقذعة ، من نوع أنهم “غشاشون” و”محتالون” ، وإن ترك “ترامب” نافذة جانبية لإمكانية استئناف التفاوض مع الإيرانيين المفاوضين ، الذين سبق له وصفهم بأنهم “عقلانيون” جدا ، وأنهم يعبرون عن نظام إيرانى جديد حل محل نظام “خامنئى” المغتال ، وساق أوهاما كثيرة حول القضاء على الصفوف “الأولى” و”الثانية” وأغلب “الثالثة” من قادة النظام الإيرانى ، وأنه حقق انتصارا “رائعا” و”عظيما” ، وأجبر إيران على قبول الاستسلام الشامل ، وبدلالة توقيعها على “مذكرة التفاهم ” ، التى يريد الآن محوها بالكامل ، والانسحاب من مفاوضاتها ، وعلى طريقة انسحابه فى عهدته الرئاسية الأولى من “خطة العمل المشتركة” ، أو “الاتفاق النووى الإيرانى” ، الذى وقعه سابقه الرئيس الأمريكى “باراك أوباما” ، وكان رد إيران أن تحللت من التزاماتها بموجب الاتفاق ، وزادت فى نسب التخصيب إلى الستين بالمئة ، وخلقت هاجسا جديدا مرعبا لإدارة “ترامب” الثانية ، اسمه كمية الأربعمائة والخمسين كيلوجراما من يورانيوم التخصيب العالى المختفية ، الكافية لصناعة عشرات قنابل نووية لإيران ، إن أرادت وقررت .

    ولا أحد عاقلا يأخذ تصرفات “ترامب” وأقواله على محمل الجد ، فهو يتصرف كزعيم عصابة ، لا كرئيس لأقوى دول العالم عسكريا ، وقد أعلن “ترامب” انتصاره “الباهر” المزعوم فى إيران لأكثر من أربعين مرة ، وامتدح “مذكرة التفاهم” مرات ، ثم عاد لينقلب عليها ، وقال أن إيران قبلت تدمير وإنهاء برنامجها النووى ، ثم عاد ليقول أنهم ـ أى الإيرانيون” ينكرون ذلك ، ولا يوجد شئ فى بنود المذكرة عن القضاء على البرنامج النووى ، وحتى فى قضية كمية يورانيوم التخصيب العالى ، فلا ذكر فى المذكرة لطلب “ترامب” تسليمها إلى واشنطن ، ويبدو أن “ترامب” يجهل حتى ما يوقع عليه ، والموجود فى المذكرة مجرد تعهد إيرانى بعدم صناعة أو حيازة أسلحة نووية ، وليس فى ذلك من جديد ، أنه مجرد تأكيد على فتوى الإمام الراحل “على خامنئى” بتحريم صناعة أسلحة نووية (!) .

    وليس بغريب ، أن يجهل “ترامب” فتوى القائد الأعلى الإيرانى الراحل ، فهو يجهل مكانة “على خامنئى” عند الإيرانيين المعاصرين ، وعبر علنا عن دهشته من ملايين الإيرانيين الذين خرجوا فى توديع جثمانه ، وقال أنه فوجئ بهم يبكون على “خامنئى” وكان يعتقد أنهم يكرهونه (!) ، ويبدو أن كل معلومات “ترامب” عن “خامنئى” جاءت من فحيح “بنيامين نتنياهو” رئيس وزراء كيان الاحتلال “الإسرائيلى” ، الذى أقنع “ترامب” بمشاركته فى خوض حرب خاطفة على إيران ، تبدأ باغتيال “على خامنئى” ، ثم يتكفل جهاز “الموساد الإسرائيلى” بإقامة ثورة شعبية إيرانية تخلع النظام من جذوره ، ورغم سذاجة التصور ، فقد اقتنع به “ترامب” الأكثر سذاجة ، وشن حربه التى استمرت بكثافاتها وانقطاعاتها ومفاوضاتها لأكثر من أربعة شهور إلى الآن ، وليس لأربعة أيام فقط وعده بها “نتنياهو” ، ولم يدرك أبدا مغزى الحشود المليونية فى شوارع وميادين إيران طوال شهور ، التى عكست تمتع النظام بقاعدة تأييد شعبى واسعة ، ووصلت إلى ذروتها فى توديع جثمان “خامنئى” ، الذى قاد نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية لنحو الأربعين سنة ، وصار فى مكانة “الأب” للأمة الإيرانية المعاصرة ، وخصوصا أنه رحل شهيدا ، وأمثال “ترامب” لايعرفون قداسة الاستشهاد فى ثقافة الإيرانيين ، وفى المذهب الإسلامى الشيعى على نحو خاص ، حيث يجتمع الحزن والرغبة فى الثأر معا ، وهو ما يفسر نوبات البكاء واللطم فى حشود التوديع المليونية ، مع رفع رايات “الإمام الحسين” الحمراء ، ورفعها لا يعنى بالضرورة رغبة فى اغتيال شخصى لقتلة من نوع “ترامب” و”نتنياهو” ، بل يعنى تصميما على مواصلة الصمود المذهل الذى أبداه الإيرانيون ، وكسروا به شوكة الحرب “الإسرائيلية” المفروضة بجيوش أمريكية على وجود أمة ذات ميراث حضارى عريق .

    وقد كان “على خامنئى” أكثر من مجرد رمز دينى ، أو حتى “الولى الفقيه” فى مركز عقيدة النظام الإيرانى الحاكم بعد ثورة الإمام “الخمينى” ، صحيح أن “خامنئى” التحق بركب “الخمينى” قبل الثورة عام 1979 ، لكن “خامنئى” بدا كأنه من طينة وعى أوسع نطاقا ، ليس فقط لأنه يجيد “اللغة العربية” كأهلها إلى جوار “الفارسية” ، بل لأن إجادته الفائقة للغة العربية وعلوم القرآن ، جعلته يرى إيران جزءا من حركة أوسع فى المنطقة وأشواقها للنهوض والاستقلال ، وإنهاء هيمنة المستعمرين المستكبرين ، وفى مذكراته المنشورة باللغة العربية تحت عنوان “إن مع الصبر نصرا” ، يروى خامنئى سير اعتقاله لست مرات على يد جهاز “السافاك” الرهيب زمن الشاه ، ويتحدث عن ولعه بالشعر العربى قديمه وحديثه ، خاصة شعر العراقى الكبير “محمد مهدى الجواهرى” ، رغم أن “الجواهرى” كان أقرب فى سيرته إلى اليسار ، وهو ما لم يكن غريبا تماما عن سيرة طالب العلم الدينى “الحوزوى” الشاب “على خامنئى” ، الذى لم يخف اقترابه من عمل حزب “توده” الشيوعى الإيرانى ، وفى واحدة من نوبات اعتقاله ، يروى “خامنئى” أن حارس زنزانته قال له ولرفاقه المعتقلين ذات صباح ، أن “أبشروا” فقد مات “جمال عبد الناصر “، كان “عبد الناصر ” ونظامه فى حالة عداء متصل متفاقم مع نظام الشاه الإيرانى ، وقطع العلاقات معه بعد اعتراف الشاه بكيان الاحتلال “الإسرائيلى” رسميا أوائل ستينيات القرن العشرين ، وقام نظام “عبد الناصر” ومخابراته بتدريب وتسليح حركات إيرانية معارضة لنظام الشاه ، وحين وصل خبر رحيل عبد الناصر إلى “خامنئى” فى سجنه ، فقد راح “خامنئى” ـ كما تورد مذكراته ـ فى نوبة بكاء حار ، فقد كان ما يجمعه إلى “عبد الناصر” كبيرا على اختلاف المنطلقات الأيديولوجية ، أنه أمل الاستقلال والتحرر من الهيمنة الأمريكية على مصائر المنطقة ، ولم تسترح نفس “خامنئى” فى سجنه قليلا إلا حين راح يدير مؤشر الراديو ، ويستمع فى خشوع إلى تلاوات القرآن الكريم من إذاعة “صوت العرب” من القاهرة ، وبأصوات أشهر القراء المصريين زعماء “دولة التلاوة” فى كل العالم الإسلامى .

    وفى سيرة صعوده إلى مكانة القائد والمرشد الأعلى لنظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية ، جمع “خامنئى” بسلاسة بين موقعه الدينى ، والشعور الجارف المعتز بالقومية الإيرانية ، وكان ذلك من عوامل نجاحه فى ترسيخ نظام الدولة الإيرانية بعد سنوات من ثورة “الخمينى” ، لم يكن ذهن الرجل مغلقا على تفكير جامد ، وأبدع فى صياغة مؤسسات جعلت النظام الإيرانى فريدا فى تركيبه ، وأدار التفاعل بين التيارات المحافظة والإصلاحية المجددة ، وجمع بين صلابة التماسك ومرونة الانفتاح العقلى ، وحرص على بناء القوة العسكرية الذاتية وإطلاق طاقات التطور العلمى والصناعى ، ويمكن اعتبار اسمه ودوره مرادفا لقصة إيران المعاصرة العفية ، وهو ما يفسر تنامى شعبيته ، التى نافست شعبية “الخمينى” نفسه ، وإذا كانت جنازة “الخمينى” المليونية شاهدا على دوره الثورى ، وذكرت جماهير التحرر فى المنطقة بجنازة “جمال عبد الناصر” المليونية الأسطورية ، التى شارك بها نحو سبعة ملايين فى مصر ذات الثلاثين مليونا وقتها ، وشاركت بها أعداد أكبر فى أقطار عربية أخرى ، وكان نشيج الناس فيها ونشيدهم كلمة الحق على ألسنة الخلق ، وقد تكررت الظاهرة ذاتها فى جنازة “الخمينى” ، ثم ها هى تستعاد الآن فى توديع جثمان “على خامنئى” ، الذى وعى مبكرا أولوية هدف الاستقلال وأحلام النهوض القومى ، التى يعبر الناس عن جوعهم الفطرى إليها فى منطقتنا المنكوبة من زمن طويل ، ويحتفون رغم الألم بأعلام النهوض والمقاومة ، وبزعماء تركوا سيرا لا تمحى ، مهما كانت ضراوة الحملات المعادية ، ومهما كانت سيوف الأعداء سالكة فى الرقاب .

    وليس من باب المصادفات العبثية ، أن تأتى بوادر الحرب الأمريكية الجديدة ، فى ذات توقيت توديع السيد “على خامنئى” ، فالعدو الأمريكى “الإسرائيلى” يريد الانتقام من ملايين الوداع ، ومن الشعب الإيرانى الصامد حتى فى الجنازات ، فلولا الموقف الفطرى الصامد النبيل للناس العاديين ، ما كانت المقاومة لتثبت فى ميادين الصدام بالنار ، وما كانت القوة الإيرانية قادرة على مواصلة الصمود المذهل ، والاستعصاء على الانكسار ، وإثبات عجز العدو عن الانتصار وتحقيق أهدافه .

Kandel2002@hotmail.com

Exit mobile version