“عبدالحليم قنديل” يكتب : هروب “ترامب”من حرب إيران ..
ahmed ibrahim
الكاتب الصحفي د عبد الحليم قنديل
حرب إيران تطارد الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب” ، وهو يخشى أن تدهسه الحرب ، التى ورطه فيها “بنيامين نتنياهو” رئيس وزراء كيان الاحتلال “الإسرائيلى”، وسبب ذعر “ترامب” من الحرب اليوم ، هو اقتراب ساعة الحساب بعد نحو شهر ونصف الشهر ، وخشيته من فوز “الحزب الديمقراطى” المعارض فى انتخابات التجديد النصفى لمجلسى الكونجرس الأمريكى (النواب والشيوخ) المقررة أوائل نوفمبر المقبل ، وقد زادت مخاوف “ترامب” مع قرار جديد لمجلس النواب هو الثالث من نوعه ، والقرار ـ كسابقيه ـ يطالب بوقف العمليات العسكرية الأمريكية على إيران ، وسحب القوات الأمريكية من مناطق العمليات ، ورد “ترامب” ـ كالعادة ـ بالغض من شأن هذه القرارات ، وادعى أنه لا يخوض حربا ضد إيران ، بل هى مجرد عمليات عسكرية تتيحها سلطاته المنفردة كرئيس منتخب ، غير أن ما يقلق ترامب أكثر ، أن القرارات المناوئة لم تصدر فقط بتصويت النواب الديمقراطيين ، بل أيدها فى التصويت عدد من نواب حزبه “الجمهورى” ، بسبب زيادة مخاوفهم من الظهور فى صورة المؤيدين لحرب “ترامب” على إيران ، وهو ما يضر بفرصهم فى الفوز بانتخابات التجديد النصفى ، خصوصا مع ضعف شعبية هذه الحرب الخاسرة ، وتدنى شعبية صاحبها “ترامب” إلى حدود 33% فى استطلاعات الرأى العام الأخيرة .
وقد حاول “ترامب” الهروب إلى الأمام ، وادعى مرات أن الحرب انتهت ، وأنه حقق نصرا ساحقا فيها ، ثم عاد ليعد بإنهاء الحرب عقب انتخابات التجديد النصفى ، وأقدم علنا على عروض فاضحة لرشوة الناخبين بمنح كل ناخب أمريكى خمسة آلاف دولار ، إذا فاز حزبه “الجمهورى” بالأغلبية مجددا فى مجلسى النواب والشيوخ ، وهو ما أكده نائب الرئيس “جى .دى . فانس” ، وقال أن عرض “ترامب” ممكن التنفيذ ، وأنه سيكلف نحو تريليون دولار ، تنوى إدارة “ترامب” توفيرها من عوائد رفع الرسوم الجمركية على صادرات الدول الأخرى إلى أمريكا ، وهكذا بدت الأحوال مزرية فى أمريكا ، التى تعتبر نفسها أعظم ديمقراطية فى العالم ، وكأن الرشوة الانتخابية صارت من أنزه التقاليد الديمقراطية ، ثم زاد “ترامب” الطين طينا ، وأصدر قرارا تنفيذيا يقيد عمليات التصويت الانتخابى عبر البريد ، وهو ما رفضته المحكمة العليا ، ففتح “ترامب” النار على قضاتها ، وبالذات قضاة المحكمة الذين سبق له تعيينهم ، وكأن الرشاوى الانتخابية والعدوان على القضاء ، صارا من التقاليد الأصيلة لديمقراطية جلالة الرئيس “ترامب” (!) .
والسبب ظاهر فى ذعر “ترامب” من انتخابات التجديد النصفى المقبلة ، فقد أدت حربه على إيران إلى تدمير بضاعته الشعبية ، وهو الذى يركز كثيرا على نجاحاته الاقتصادية المتخيلة ، وأولها خفض معدل التضخم وانخفاض الأسعار ، بينما أدت حرب إيران إلى العكس بالضبط ، ولم يبتلع المواطنون الأمريكيون أكاذيبه المتكررة ، وبالذات أقواله العبثية عن السيطرة الكاملة على “مضيق هرمز” ، وحماية عبور السفن والناقلات بحرية عبر ممر جنوبى بالقرب من سواحل “سلطنة عمان” ، وأن تدفق البترول والغاز ، عاد لمعدلاته الطبيعية قبل الحرب ، أو عاد ـ على الأقل ـ لنصف ما كان ، على حد زعم نائب الرئيس “فانس” ووزير الحرب “بيت هيجسيث” ، بينما السوق نفسه يكذب “ترامب” وإدارته ، وأسعار “البنزين” و”الديزل” تقفز إلى الضعف ، وسعر برميل البترول عاد إلى الارتفاع إلى نحو 110 دولارات ، وكلما ارتفع سعر “برميل” البترول ، صرخ المواطن الأمريكى من غلاء البنزين والديزل والأسمدة والبتروكيماويات عموما ، وهو ما يضاعف من حرج ومأزق مرشحى حزب “ترامب” ، وأغلب استطلاعات الرأى ترجح خسارة “الحزب الجمهورى” لأغلبيته الطفيفة الحالية فى مجلسى النواب والشيوخ ، خاصة فى “مجلس النواب” ، الذى يجرى تجديد كل مقاعده فى انتخابات أوائل نوفمبر المقبل .
وفوز “الديمقراطيين” فى مجلسى الكونجرس” أو حتى فى “مجلس النواب” وحده ، يقض مضاجع “ترامب” وعائلته وقبيلته من كبار المليارديرات ، ليس فقط بسبب إمكانية العودة إلى كابوس عزل “ترامب” عن الرئاسة ، وقد حدث شئ من ذلك فى رئاسته الأولى لمرتين ، صحيح أن سيناريو “العزل” لم يكتمل وقتها ، لكن مجرد العودة إلى اقتراح العزل يرعب “ترامب” ، ثم أنه من الوارد جدا ، أن تدعو الأغلبية الديمقراطية ـ حال توافرها ـ إلى تحقيقات وجلسات استماع لمليارديرات عائلته الذين استفادوا بالمليارات من قرارات “ترامب” ، وبالذات أنجاله ومبعوثيه المفضلين المقاولين “ستيف ويتكوف” و”جاريد كوشنر” زوج إبنة “ترامب” الكبرى ، فوق أن ذهاب أغلبية الكونجرس إلى معارضى “ترامب” ، يشل حركة وحرية قراراته المنفردة ، وينتهى به إلى وضع “البطة العرجاء” فى النصف الثانى من رئاسته الثانية الحالية .
وقد جرب “ترامب” فكرة الهروب من الكوابيس ، ووعد الأمريكيين بإنهاء حربه على إيران بعد انتخابات التجديد النصفى ، وهو ما عاد نائبه “فانس” إلى التأكيد عليه ، ومن دون أن يعرف أحد ، أو يقول “ترامب” و”فانس” شيئا عن طريقة إنهاء الحرب ، خصوصا بعد وصول حملاته العسكرية إلى حائط مسدود ، وإعلان مفتش “البنتاجون” عن انخفاض مقلق فى مخزون الصواريخ والذخائر العسكرية الأمريكية ، وهو ما كذب مزاعم “ترامب” عن ذخائر أمريكا التى لا تنفد ، وتقليله من حجم الخسائر بسبب الضربات الإيرانية الصاروخية على القواعد الأمريكية فى المنطقة ، وهو ما كذبه علنا تقرير مفتش “البنتاجون” ، واعترف بوقوع خسائر بعشرات مليارات الدولارات فى الأصول والقاذفات والصواريخ على أرض القواعد إياها ، ورغم أن أكاذيب “ترامب” لا تنفد ، فإنه يتجاهل “القاعدة الذهبية” فى عالم الكذب والكذابين ، وهى أنه إذا كنت كذوبا فكن ذكورا ، ويعد بتدمير إيران ، رغم أنه أعلن من شهور عن محو “إيران” وإزالتها من على وجه الأرض ، وأنه انتقل من القصف من الجو إلى خنق إيران اقتصاديا ، وإرغامها على رفع راية استسلام ، لم يحدث ، ولا يبدو حتى محتملا ، رغمها يكرر “ترامب” مزاعمه ، ويدعى مجددا ، أن إيران تتوسل من أجل إبرام اتفاق ، ويقول مرات أن المفاوضات قد تستأنف قريبا ، ثم يعود لتكذيب نفسه وابتلاع حلقه ، ويقول أنه لا مفاوضات أبدا مع إيران ، وأنه ينوى شن هجوم على موقع “جبل الفأس” الإيرانى النووى ، مع أنه قال مرارا وتكرارا ، أنه دمر ومحا مواقع البرنامج النووى الإيرانى فى عملية ” مطرقة منتصف الليل ” خلال حرب الإثنى عشر يوما فى يونيو 2025 .
وربما يكون من العبث ، أن تحاول العثور على تفسير لتناقضات “ترامب” ، فهو نفسه ـ أى “ترامب” ـ لا يجد لها تفسيرا ، وحتى رغبته المعلنة فى الخروج من حرب إيران ، لا يعرف لها طريقا بذاته ، فهو يخاطب الداخل الأمريكى لتهدئته وكسب الوقت ، ويتصور أنه ذكى يخاطب جمعا من الأغبياء ، وتستبد به أوهامه وخيالاته ، ويفضل العيش فى فقاعته المصنوعة ، ويقول لك ، أنه عازم على الاستيلاء على بترول إيران كما فعل فى “فنزويلا” ، ومن دون أن يدرك الفوارق المرئية حتى للعميان ، فلم يحقق فى سبعة شهور من الحرب على إيران شيئا مما وعد به أو تخيله ، وإن رغب اليوم أو غدا فى إنهاء الحرب على إيران ، فإن الأخيرة لن تترك له فرصة الخروج الآمن ، فقد زعم فى بداية الحرب ، أنه يشن هجوما خاطفا كاسحا ، لن يستغرق سوى بضعة أيام أو أسبوعين ، ثم امتدت الحرب إلى سبعة شهور إلى الآن ، وخطة إيران فى الحرب على عكس خطة الهجوم الخاطف ، وكان ذلك ظاهرا حتى قبل الحرب كلها ، وقبل اغتياله فى أول ساعات الحرب ، كان القائد الأعلى الإيرانى الراحل “على خامنئى” يقول ، أن أى هجوم خاطف علينا لن يلقى ردا خاطفا ، وأن خطة إيران هى رفع تكلفة الحرب على عدوها ، وتوسيع نطاق الاشتباك فى الجغرافيا وإطالته فى الزمن ، وهذا ماجرى بالضبط ، رغم رحيل “خامنئى الأب” وتولى نجله “مجتبى” مكانه ، ومع فارق محسوس ، هو أن النظام الإيرانى صار أكثر جرأة ومخاطرة ، وانتقل إلى المعنى الهجومى ، لا الاكتفاء بالردع الدفاعى .
وقد عاد “ترامب” بعد طول مدى الحرب إلى البدايات ، وصار أكثر شغفا بطاعة “نتنياهو” وتلبية طلباته ، ووافقت إدارة “ترامب” على صفقة أسلحة عاجلة لكيان الاحتلال بقيمة تقارب ثلاثة مليارات دولار ، أخطر ما فيها 40 ألف قنبلة من الوزن الثقيل ، تزن كل قنبلة طنا ، تحتاجها “إسرائيل” لمعاودة ومواصلة حروب دمار وإبادة جماعية فى “غزة” وفى “لبنان” ، ويعد “نتنياهو” بتجديد حربه رسميا على إيران ، وكأن “ترامب” يبحث عن مخرج لحربه الخاسرة على “إيران” ، وقد يعاود تكليف “نتنياهو” بأداء الدور البديل ، والجلوس فى مقعد القيادة من الخلف.
To provide the best experiences, we use technologies like cookies to store and/or access device information. Consenting to these technologies will allow us to process data such as browsing behavior or unique IDs on this site. Not consenting or withdrawing consent, may adversely affect certain features and functions.