مصر30/6

“عبدالحليم قنديل” يكتب: وساطة أمريكا الموهومة ..

يصعب إقناع الجهول "ترامب" أو "ويتكوف" بحقائق الدين أو التاريخ أو الجغرافيا ..

      كعادته وعادة رئيسه فى التدليس بلا حياء ، كرر المقاول الصهيونى اليهودى “ستيف ويتكوف” إدانته الميكانيكية لحركة “حماس” الفلسطينية ، وادعى أنها السبب الوحيد لاستمرار حرب “غزة” ، وأنها رفضت كل صيغ واقتراحات التهدئة ، وحين ووجه “ويتكوف” باعتراض حتى من قناة “فوكس نيوز” ، وبإشارة إلى أن “حماس” وافقت على النسخة الأخيرة من مقترح “ويتكوف” نفسه ، فما كان من مبعوث السلام الأمريكى ، إلا أن خرج من السياق كله ، وقال أنها ـ أى “حماس” ـ وافقت تحت الضغط العسكرى “الإسرائيلى” ، ومن دون أن يتطرق بحرف إلى امتناع “بنيامين نتنياهو” ـ رئيس وزراء “إسرائيل” ـ عن الرد ، وإعاقته لهدنة الستين يوما المطروحة ، وقفز “ويتكوف” إلى الإيهام بوعود جديدة ، من نوع أن حرب “غزة” قد تنتهى قبل نهاية العام الجارى ، وأن رئيسه “دونالد ترامب” سيعقد اجتماعات كبيرة لبحث الحرب الجارية فى “غزة” ، وكان “ترامب” نفسه ، قد توقع قبلها نهاية الحرب فى غضون أسبوعين أو ثلاثة ، ثم عاد لسحب توقعه ، وقال أنها حرب مستمرة منذ آلاف السنين ، وقد لا يعرف أحد من أين أتى “ترامب” بآلاف سنينه تلك (!)، اللهم إلا إذا كان يتقمص شخص “نتنياهو” نفسه ، ويلبس قميص روحانيته وتاريخيته المزيفة ، وعلى طريقة نصوص توراتية مصنوعة ، تدعى أن الله وعد نبيه “إبراهيم ” عليه السلام “لنسلك أورث هذه الأرض من نهر مصر إلى الفرات” . 

   وقد يصعب إقناع الجهول “ترامب” أو “ويتكوف” بشئ من حقائق الدين أو التاريخ أو الجغرافيا ، وهم لا يقيمون وزنا لشئ من ذلك كله ، والمهم عندهم وعند أمثالهم ، أن يسمعوا ويطيعوا “نتنياهو” فيما يزعم عن “إسرائيله الكبرى” ووعدها الكذوب ، وحتى فى تفاصيل التحركات اليومية ، تبنى مقترحاتهم فى الوساطة الأمريكية الموهومة على أساس واحد وحيد ، فالمقترح الذى وافقت عليه حركة “حماس” أخيرا ، حمل زورا اسم “مقترح ويتكوف” ، بينما هو فى الأصل من بنات أفكار ومناورات “نتنياهو” ، وعبر خمسة عشرة شهرا خلت ، كان الرئيس الأمريكى السابق “جو بايدن” ، قد افتتحها بمبادرة من ثلاث مراحل حملت اسم “بايدن” ، الذى قال بلسانه أنها وردته أصلا من “نتنياهو” ، ومضت الشهور الطويلة حتى طوى العام 2024 أوراقه ، ورحل “بايدن” عن البيت الأبيض ، ليجئ “ترامب” وإلى أن بدأ تنفيذ المرحلة الأولى فى 19 يناير الماضى ، ثم قرر “نتنياهو” وقف الانتقال للمرحلة الثانية ، واستأنف الحرب فى مارس الماضى تحت عنوان “عربات جدعون” ، التى احتل فيها ـ كما يقول “الإسرائيليون” ـ 75% من مساحة قطاع “غزة” ، وهدم 89% من مبانى “غزة” كلها ، ودمر 95% من المساحات المزروعة ، ورغم كل هذا الدمار وتلك الإبادة الجماعية الشاملة ، فقد عاد “نتنياهو” إلى تكرار أسطوانته المشروخة عن “النصر الساحق” الذى لم يتحقق بعد ، وعاد مع حكومته الفاشية المتطرفة إلى طرح خطة استكمال احتلال “غزة” بالكامل ، وإزالة ما تبقى من مدينة “غزة” والمحافظة الوسطى من حول “دير البلح” ، وإن كان “نتنياهو” يعانى من تردد قيادة جيش الاحتلال ، وهو ما دفع المجرم الغارق فى جنون العظمة إلى مستنقع الحيرة ، وإلى المراوحة بين قبول صفقة جزئية على طريقة “مقترح ويتكوف” ، أو السعى لصفقة شاملة نهائية . 

   وبطبائع الأمور ، انتقلت حيرة “نتنياهو” إلى البيت الأبيض ، وكما كان “بايدن” ناطقا باسم “نتنياهو” ، فإن “ترامب” يواصل الدور نفسه ويزايد عليه ، وبدعوى وساطة أمريكية ، لا تقوم على نزاهتها وحياديتها شبهة دليل ، فحرب “نتنياهو” هى ذاتها حرب “ترامب” ، وإجرام “نتنياهو” هو ذاته الإجرام الأمريكى ، وما يصدر عن حكومة “إسرائيل” فى البيت الأبيض ، هو ذاته ما يصدر عن حكومة “نتنياهو” ، أما الوسطاء العرب ، فليس عندهم حيلة أو حرية تصرف ، ودورهم مقصور على نقل اقتراحات “نتنياهو” بترجمتها الأمريكية إلى وفود “حماس” وأخواتها ، وقد تنتهى مشاورات واشنطن إلى تحريك ما لفكرة الهدنة الموقوتة بالستين يوما لا غير ، لكن “نتنياهو” الحريص على كسب مزيد الوقت ، لا ينوى التنازل عن شروطه الخمسة المشهورة لإيقاف الحرب نهائيا ، وأولها ـ بالطبع ـ نزع سلاح حماس ونفى قادتها العسكريين إلى خارج قطاع “غزة” ، ثم نزع سلاح “غزة” بكاملها ، وتأبيد السيطرة الأمنية “الإسرائيلية” على القطاع بأكمله ، ورفض وجود أى سلطة فلسطينية تتبع “حماس” أو “فتح” ، وتهجير الفلسطينيين فى “غزة” وحشرهم فى مناطق المواصى ورفح ، ودفعهم إلى ترك قطاع غزة بأكمله ، وتحت عناوين التهجير الطوعى ، وتنفيذ خطة “ريفييرا ترامب” .

   وبديهى أن كل هذه الشروط ، لا يقبلها علنا فلسطينى ولا طرف عربى ، وإن أبدت أطرافا عربية حاكمة تأييدها الضمنى المستتر لكل الشروط أو بعضها ، وبالذات نزع سلاح “حماس” ونزع سلاح غزة بأكملها ، مع الزج باقتراحات مريبة ، من نوع نشر قوات عربية فى “غزة” ، تكون رديفا لقوات الاحتلال “الإسرائيلى” ، وتحت غطاء الحماية والتمهيد لإقامة دولة فلسطينية فى غزة والضفة والقدس المحتلة ، وتلك دعوى لا يصدقها أحد عاقل ، يعرف أن كل عناصر كيان الاحتلال وليس حكومة “نتنياهو” فقط ، ترفض بالجملة أى مسعى لإقامة أى كيان فلسطينى حتى لو كان منزوع السلاح ، وهذا موقف “نتنياهو” وموقف “ترامب” أيضا ، ليس فقط فى رفض إقامة دولة فلسطينية ، وفرض السيادة “الإسرائيلية” التامة على الضفة بعد ضم “القدس” ، مع التهجير الشامل لسكان غزة إلى خارج الحدود ، ومد هيمنة “إسرائيل” وحضورها العسكرى إلى كامل الجنوبين اللبنانى والسورى ، وإلى شرق الأردن وشمال السعودية ، وربما إلى مصر فيما بعد بحسب خرائط “إسرائيل الكبرى” .

   والمعنى ببساطة من كل ما سبق ، أن الوساطات الأمريكية مجرد أوهام ، وأنه لا تبدو من نهاية قريبة لحرب الإبادة الأمريكية “الإسرائيلية” فى “غزة” ولا فى غيرها ، فالحروب لا تنتهى إلا أن تتحقق أهدافها ، ورغم الموات العربى المنظور ، وحالة “التحلل الرمى” المخيمة فى قصور الحكم بالذات ، فليس بوسع القوات الأمريكية “الإسرائيلية” أن تحرز كامل أهدافها فى المدى الظاهر ، والسبب ببساطة فيما تبقى من روح ونفس المقاومة العنيدة فى “غزة” قبل غيرها ، رغم حرب الإبادة الوحشية المتصلة لنحو قارب السنتين إلى الآن ، ارتقى فيها أكثر من ثمانين ألف شهيد معلوم ومفقود تحت الأنقاض ، وجرح فيها أضعافهم ، ووقع أكثر من مليونين تحت نيران القصف والقتل اليومى بالنار وبالتجويع ، وصمد الشعب الفلسطينى لكل هذا العذاب الأسطورى ، ومن دون أن تكف طلائعه عن مواصلة المقاومة المذهلة ، وإلى أن جاوزت خسائر جيش الاحتلال رقم العشرة آلاف بين قتيل وجريح ، وتزايدت نزعات انتحار العسكريين والهروب من خدمة الاحتياط فى جيش العدو ، وتصاعدت أمارات قلق التجمع “الإسرائيلى” كله من الحرب التى لا تنتهى .

   وصحيح ، أن واشنطن تفتح كل خزائن مالها ومخازن سلاحها لجيش الاحتلال ، كما هو صحيح أن غالب الأنظمة العربية تخلت فعليا عن القضية الفلسطينية ، بل ذهب بعضها إلى دائرة التحالف مع “إسرائيل” والطاعة الآلية لرعاتها فى واشنطن ، لكن قضية فلسطين التى خسرت عمقها العربى والإسلامى فى أغلبه إلى حين ، راحت تكسب معنى عالميا غير مسبوق ، وبالذات فى عواصم الغرب الكبرى ، التى تنفض جماهيرها عبء الولاء الأعمى للرواية الصهيونية ، وأضافت للرواية الفلسطينية أرضا جديدة ، ضغطت بها الضمائر الحية على قرارات الحكومات ، ودفعتها فى كثير من الحالات إلى مقاطعة “إسرائيل” ، إضافة للنفور الشعبى المتزايد من “الإسرائيليين” عموما ، ومعاملتهم جميعا كمجرمى حرب وسفاكى دماء ، وكأن بركة الدم الفلسطينى عبرت البحار والمحيطات ، وجمعت ضمائر العالم الحية فى انتفاضة كبرى ضد الهمجية الأمريكية “الإسرائيلية” .

   وبينما يرفع “نتنياهو” مع “ترامب” شعار القضاء على “حماس” والمقاومة الفلسطينية ، فإن النتائج تبدو عكسية إلى الآن ، وتبدو الدنيا الشعبية كلها ، وكأنها تريد بالمقابل القضاء على إجرام “نتنياهو” أولا ، وهو ما يرتد بآثاره على الداخل “الإسرائيلى” نفسه ، الذى تتسع قطاعاته الرافضة لتعنت “نتنياهو” ، ليس فقط فى مظاهرات أهالى الأسرى والرهائن والقتلى “الإسرائيليين” ، بل حتى فى مجتمع الحاخامات “الحريديم” المتشددين دينيا ، الذين تظاهروا وطالبوا “ترامب” بإرغام “نتنياهو” على وقف الحرب ، وحذروا من مصائر انهيار “إسرائيل” من داخلها ، وقد لا يلتفت الجمهور “الإسرائيلى” ولا حاخاماته إلى عذاب الفلسطينيين وحقوقهم ودمائهم ، لكنهم هلعون ـ طبعا ـ بسبب القلق على بقاء “إسرائيل” ذاتها ، وتلك مخاوف غريزية لها ما يبررها ، فلو نجا نصف سكان “غزة” من هول محارق الإبادة الجارية ، فقد يستطيع النصف الفلسطينى الناجى تقويض “إسرائيل” كلها ، ولو بعد حين .

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights