Site icon masr 306

“عبد الحليم قنديل” يكتب: انسحاب “ترامب”إلى فقاعته ..

الكاتب الصحفي د عبد الحليم قنديل

الكاتب الصحفي د عبد الحليم قنديل

لم يفاجأ عاقل بقرار الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب” اعتزامه الانسحاب من الحرب على إيران فى غضون أسبوعين أو ثلاثة ، ليس فقط بسبب غرابة أطوار الرجل العشوائى البرتقالى البهلوانى ، ولكن أساسا بسبب اصطدامه بحائط العجز فى الميدان الحربى وتطوراته العاصفة ، وبسبب الصمود المذهل الذى أبدته إيران فى القتال ضد العدوان الأمريكى “الإسرائيلى” ، وفاق تصورات أشد المتفائلين بحيوية إيران ، وحرم العدو من تحقيق هدفه الأول المعلن بإسقاط النظام الإيرانى ، وكان هدفا لا يستسيغه عاقل عارف بألف باء تكوين نظام الجمهورية الإسلامية فى إيران ، ورغم أن القائد الأساسى للحرب الهمجية “بنيامين نتنياهو” ، الذى جر “ترامب” إلى المقامرة الخاسرة ، تحدث مؤخرا بلغة دعائية أكثر تحفظا ، وحصرها فقط بإضعاف النظام الإيرانى تمهيدا لتغييره فيما بعد ، لكن “ترامب” راح يتحدث بلغة أكثر قطعية وانتفاخا ، ويجزم بأنه تم تغيير النظام الإيرانى بالفعل ، وأنه بذلك تحقق هدف حربه الأول ، استنادا إلى أحكام ساذجة ، من نوع أنه تم قتل قادة الطبقتين الأولى والثانية من نظام “آية الله على خامنئى” ، وأن النظام زال بمجرد اغتيال قادته الأولين ، وأن القادة الجدد أكثر منطقية وانفتاحا على التفاوض مع واشنطن ، رغم أن أى تقدير عاقل يقول العكس بالضبط .
فقد نجح النظام الإيرانى فى تجديد قادته بسلاسة ، ولم تضعفه الاغتيالات المتلاحقة للقادة من “على خامنئى” إلى “على لاريجانى” ، وانتقلنا من قيادة خامنئى الأب (86 سنة) إلى قيادة خامنئى الإبن “مجتبى” (56 سنة) ، أى أن كل ما فعله العدوان الأمريكى الصهيونى ، أن مهد لظهور نسخة أكثر شبابا وحيوية وراديكالية من النظام نفسه ، وبالذراع العسكرية نفسها فى “الحرس الثورى” وقوات التعبئة “الباسيج” والجيش الإيرانى ، ودونما نجاح يذكر للخطة الساذجة التى ساقها “نتنياهو” لإقناع “ترامب” بنصر سريع ساحق ، وهى أن “الموساد” “الإسرائيلى” قادر على تنظيم ثورة شعبية تخلع النظام فور اغتيال المرشد ، ورغم وجود شواهد كثيرة على عمق واتساع اختراقات جهاز “الموساد” فى الداخل الإيرانى ، والتى أفضت إلى الاغتيال السهل للقائد “خامنئى” وعشرات من القادة العسكريين الكبار فى ساعة الحرب الأولى (صباح 28 فبراير 2026) ، إلا أن الثورة الموعودة لم تقم أبدا ، وامتلأت شوارع طهران ومدن إيران بالناس المؤيدين للنظام لا المعارضين ، وكان الحشد المليونى المناصر للنظام موحيا ، وصنع القاعدة الأصلب لبقاء وتجديد النظام ، ودعم قيادة “مجتبى خامنئى” المتوارى عن الأنظار لاعتبارات أمنية مفهومة ، وفى ظل قصف أمريكى “إسرائيلى” متصل ، تجاوزت أهدافه تدمير 20 ألف موقع فى البنية التحتية العسكرية والمدنية الإيرانية .
وكان الصمود الشعبى الإيرانى تحت حمم النار ، مما جعل الصمود الحربى الإيرانى المذهل ممكنا بسلاسة ، فقد نجح “الحرس الثورى” الإيرانى فى حماية درع إيران شبه الوحيد من المسيرات وصواريخ “كروز” والصواريخ الباليستية المتطورة ، وقاد الضربات الصاروخية الإيرانية ضد القواعد الأمريكية ، وفى قلب كيان الاحتلال “الإسرائيلى” ، وبتخطيط ذكى بارع محكم ، وضع عينه أولا على تدمير كفاءة نظام الدفاع الجوى الأمريكى “الإسرائيلى” ، وفتح ثغرات اتسعت فى نظم “الرادارات” الأمريكية بالمنطقة ، التى يبلغ سعر النظام الواحد منها أكثر من مليار ونصف مليار دولار ، وكان نجاح إيران فى تحطيم عشرة “رادارات” أمريكية ، ثم نجاح خلطة الصواريخ والطائرات المسيرة ، والتنسيق اللحظى بين إطلاق صواريخ إيران وصواريخ “حزب الله” اللبنانى ، وبما أدى إلى خلق فراغات ونقط عمياء مميتة فى نظام القبة الحديدية “الإسرائيلية” ، نفذت منها صواريخ إيران الأكثر دقة وتطورا ، والصواريخ الباليستية “الفرط صوتية” و”الانشطارية” العنقودية بالذات ، وبما ساعد إيران على رد الضربات فورا ، وإيقاع أذى مزلزل بالاستحكامات المعادية ، وتدمير عدد متزايد من طائرات التزود بالوقود الأمريكية ، وصولا إلى تدمير طائرات الإنذار المبكر “الإواكس” على الأرض ، وبما مكن نظم الدفاع الجوى الإيرانى المتواضع من تهديد وإصابة طائرات “إف ـ 35″ و”إف ـ 15″ و”إف ـ 18” ، والحد من خطورة السماء المفتوحة فوق إيران ، والمسيطر عليها بإطراد من سلاح الجو الأمريكى “الإسرائيلى” ، وإلى حد استخدام “البنتاجون” للقاذفات النووية من نوع “بى ـ 1″ و”بى ـ 2″ و”بى ـ 52” ، وقصف منشآت إيران بالقنابل الأثقل الخارقة للتحصينات من زنة 5 أطنان إلى زنة 14 طنا ، ومحاولة الوصول لتدمير المدن الصاروخية الإيرانية فى بطون الجبال ، وعلى أعماق تصل إلى 500 متر تحت الأرض ، بينما لا تستطيع قنابل أمريكا الأثقل الوصول سوى إلى أعماق تقدر بعشرات الأمتار ، وهكذا نجت مخزونات إيران الصاروخية ومصانع إنتاجها ، وبدا الأداء الإيرانى القوى ساخرا مستهزئا بإعلانات أمريكية “إسرائيلية” زاعقة ، زعمت تدمير تسعين بالمئة من المسيرات والصواريخ الإيرانية ومنصات إطلاقها ، وبنت قبابا من الأوهام حول تراجع إطلاقات المسيرات والصواريخ الإيرانية ، بينما كانت إيران تغير فى نوعية صواريخها ومسيراتها المستخدمة إلى الأشد دقة وتدميرا ، وإلى حد أن مسيرة إيرانية متطورة لا تزيد تكلفتها على 20 ألف دولار ، نجحت ببساطة فى تدمير طائرة إنذار مبكر أمريكية من طراز “3 ـ E” ، تصل تكلفة بديلتها “2 ـE ” إلى 700 مليون دولار .
والمشاهد ، أن إيران نجحت فى مزج التكتيكات الدفاعية والهجومية معا ، وردت على استهداف منشآت البترول والمصانع والطاقة بمثلها وأكثر على الجانب الآخر ، وكما جرى فى مصافى البترول بمدينة “حيفا” ، ومصانع البتروكيماويات فى المنطقة الصناعية بجوار”بئر سبع” ، ومواصلة الهجمات المدمرة المنسقة على مناطق “تل أبيب” الكبرى ، وعلى مراكز الاتصالات ومصانع الأسلحة والقواعد العسكرية “الإسرائيلية” ، وهو ما دفع “ترامب” إلى التهديد بقصف كاسح لمحطات الطاقة والكهرباء فى عموم إيران ، وكانت “إسرائيل” توالى قصفها فعلا ، وأعطى “ترامب” لإيران مهلة يومين قبل تنفيذ تهديده ، ثم مدد المهلة إلى خمسة أيام فعشرة أيام إضافية إلى 6 أبريل الجارى ، وادعى أنه بدأ المفاوضات مع من أسماهم “القادة المناسبين” فى إيران ، وزعم أنهم قبلوا لائحة شروطه بنقاطها الخمس عشرة ، فى حين قالت القيادة الإيرانية أنها لا تفاوض “ترامب” ، وأن ما جرى لا يزيد عن تبادل رسائل عبر الوسطاء فى مصر وتركيا وباكستان ، أو مباشرة من المبعوث الأمريكى “ستيف ويتكوف” إلى “عباس عراقجى” وزير الخارجية الإيرانى ، وامتنعت طهران عن مجرد مناقشة عروض “ترامب” وإدارته ، وقدمت لائحة شروط معاكسة ، تتضمن وقف الحرب نهائيا والتعويضات لإيران والقبول بإدارتها المنفردة لمضيق “هرمز”.
ووسط استمرار الغموض حول مصير الدعوة لمفاوضات غير مباشرة برعاية باكستان فى “إسلام أباد” بدعم من الصين ، وجد “ترامب” نفسه محشورا فى المأزق الذى صنعته أكاذيبه عن محو “إيران” من خرائط الدنيا ، وعن ميل إيران لاستسلام بعد تدمير قواتها الجوية التى لم تكن موجودة أصلا ، ومن قلب فقاعة أوهامه ، فاجأ “ترامب” الجميع بإعلان عزمه الانسحاب من الحرب فى غضون أسبوعين أو ثلاثة ، وأعلن للمرة العشرين أنه انتصر وأنجز المهمة ، فى الوقت الذى كانت فيه حشود أمريكا تتدفق إلى المنطقة ، وبينها حاملة طائرات جديدة “جورج بوش” تضاف إلى سابقتيها “إبرهام لينكولن” و”جيرالد فورد” ، التى خرجت من الخدمة إلى عمليات صيانة مطولة فى دولة “كرواتيا” ، مع تدفق سفن إنزال برمائى ، وما يزيد على عشرة آلاف من “المارينز” والفرقة 82 المحمولة جوا والقوات الخاصة ، وبهدف معلن هو اجتياح جزر إيران فى الخليج ، وبالذات جزيرة “خارك” عاصمة تصدير البترول الإيرانى ، وخوض معركة الفتح الإجبارى لمضيق “هرمز” الذى تتحكم به إيران ، أو الذهاب مع قوات أخرى إلى إغارات برية أخطر ، تقتنص مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة تفوق الستين بالمئة ، ووسط كل هذه التحركات العسكرية الصاخبة ، أعلن “ترامب” أنه سينسحب من الحرب كلها ، وسواء وافقت إيران على شروطه أم لم توافق ، أو فتحت مضيق “هرمز” أم استمرت فى التحكم به ، وقال “ترامب” ببساطة ، أن “مضيق هرمز” ليس من شأن أمريكا ، ودعا من يستفيدون من فتح المضيق ، أن يقوموا هم بالمهمة التى تنصل منها ، وقصد بذلك شركاء أمريكا الأوروبيين الذين عارضوا ذهابه لحرب إيران.
وبالجملة ، لم يتراجع “ترامب” فقط لعقاب الحلفاء الأوروبيين ، بل لأنه بات يدرك عواقب أى محاولة اجتياح إيران بريا جزئيا أو كليا ، وتلك مهمة تحتاج على الأقل إلى حشد مليون جندى أمريكى ، وما من ضمانات لنجاحها فى مواجهة مليون جندى إيرانى ، زادتهم إيران إلى خمسة ملايين بفتح باب التطوع فى حملة “الروح فداء لإيران” ، وربما لذلك يفضل ترامب الانسحاب من إيران إلى قوقعة أوهامه وفقاعته الشخصية وهلاوسه الخاصة ، بعد أن صدمته جدران العجز المقيم فى ميدان الحرب وأهوالها .
KANDEL2002@HOTMAIL.COM

Exit mobile version