Site icon masr 306

“عبد الحليم قنديل” يكتب: عودة لزمن “بنت جبيل” ..

الكاتب الصحفي د عبد الحليم قنديل

الكاتب الصحفي د عبد الحليم قنديل

بيروت هى عاصمة الدولة اللبنانية كما يعلم الكافة ، لكن “بنت جبيل” فى الجنوب اللبنانى هى عاصمة العاصمة ، “بنت جبيل” هى عنوان لبنان الحقيقى اليوم وغدا ، هى فى التقسيم الإدارى اللبنانى توصف بالمدينة ، وإن كانت فى المعايير الدولية مجرد قرية ، يزيد عدد سكانها قليلا على خمسة آلاف ، وقد ظلت لأسابيع طويلة شوكة فى حلق الغزو “الإسرائيلى” الجديد بعشرات الآلاف من الجنود وفرق النخبة ، واستمات العدو “الإسرائيلى” فى محاولات السيطرة عليها من جديد ، ليس فقط لأهميتها الظاهرة فى مناطق جنوب نهر “الليطانى” ، بل لطابعها الرمزى الناطق ، فمن قلب ملعبها ، أعلن الشهيد “حسن نصر الله” نصره العزيز ، وأعلن أن كيان الاحتلال “الإسرائيلى” أوهى من بيت العنكبوت ، وها هو “نصر الله” يعود من جديد ، وكأنه قام من قبره ، ويشد على أيادى بضعة مقاتلين من “حزب الله” فى “بنت جبيل” ، صنعوا ويصنعون بصمودهم أسطورة حية ، وكبدوا ويكبدون جيش الاحتلال خسائر فادحة فى الدبابات والجنود والضباط ، وكأنهم يقولون للراحل الشهيد من وراء الحجب ، أن غرسك قد أثمر ياسيد شهداء الأمة ، وأن قوة لبنان فى مقاتليه الأشداء ، وليس فى مفاوضات الخزى والعار فى مقر الخارجية الأمريكية بواشنطن ، ولا فى التقاط الصور التذكارية مع “ماركو روبيو” وزير الخارجية الأمريكي الباهت ، ولا فى المفاوضات المباشرة التى يعد لها فى عواصم أخرى بين حكومة لبنان و”إسرائيل” ، التى دعت حكومة لبنان للقتال معا ضد ما أسمته احتلال “حزب الله” الإيرانى ، وكأن الآيات انقلبت ، وتحول المحرر إلى صفة المحتل ، فحزب الله هو الذى حرر الجنوب اللبنانى بعد احتلال دام لنحو عقدين ، بدأ باجتياح بيروت نفسها فى حملة الجنرال “شارون” عام 1982 ، وخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية ، ونشأة جماعات المقاومة الوطنية اللبنانية ، وإسقاط ما أسمى اتفاق 17 مايو 1983 مع “إسرائيل” ، ونشأة جماعة “حزب الله” وتفردها تقريبا بالمقاومة فى الجنوب ، الذى تراجع إليه الاحتلال ، وخوضه حرب عصابات طويلة المدى توجت بانسحاب العدو بغير قيد ولا شرط من كامل الجنوب ، الذى عادت “إسرائيل” لغزوه ، فى حرب 2006 ، ولحقت بها الهزيمة والعار نفسه مجددا ، وأعلن “نصر الله” الأمين العام التاريخى لحزب الله نصر لبنان الباهر من “بنت جبيل”، نفس البقعة التى خاطبها مؤخرا “نبيه برى” رئيس مجلس النواب اللبنانى وابن الجنوب بعبارات وجدان مؤثرة ، قال فيها “بنت جبيل التى تعلمت فيها الوقت والمسافة والصبح والحياة والأناشيد والحرية والوحدة والعروبة وفلسطين والمدى والصدى والهوى والردى ” .
ومن هوى الجنوبى “نبيه برى” قائد حركة “أمل” ، التى سبقت “حزب الله” إلى حومة الميدان ، وأعلن مؤسسها الشهيد الإمام موسى الصدر أن “إسرائيل” سرطان ، سرى حس المقاومة العنيدة لمقاتلى “بنت جبيل” إلى الوطن اللبنانى كله ، وإلى كل لبنانى وطنى صاحب ضمير حى ، حتى وإن اختلف الهوى السياسى والفكرى ، وتغايرت انتسابات الطوائف ، وأصدرت القوى والأحزاب الناصرية اللبنانية بيانا أكدت فيه رفضها القاطع للمفاوضات المباشرة مع العدو الصهيونى “الذى يستبيح أمننا الوطنى ، ويمارس أبشع أنواع الإجرام النازى بحق المدنيين من قتل وتدمير وتهجير” ، وأشادت القوى الناصرية اللبنانية بمشروع القانون الذى قدمه النائب “أسامة سعد” ـ الأمين العام للتنظيم الشعبى الناصرى ـ حول تجريم العلاقة أى علاقة مع العدو الصهيونى ، وتأمل “من الكتل النيابية الموافقة عليه ورفض أى شكل من أشكال العلاقة مع العدو الصهيونى ” ، ولا يعد مشروع قانون ” سعد” غريبا ولا مقحما على السيرة الوطنية والدستورية والميثاقية للدولة اللبنانية ، فالوضع القانونى القائم بالفعل فى لبنان ، لايزال يستند إلى مواريث مقاطعة العدو الصهيونى ، ويحرم ويجرم إقامة أى علاقات مع العدو ، سواء فى قانون المقاطعة الذى لا يزال ساريا ، أو فى وثيقة “الطائف” و”الوفاق الوطنى” التى طوت زمن الحرب الأهلية الدموية بين عام 1975 إلى عام 1990 ، وقيمة بيان الناصريين اللبنانيين ، أنه يضاف إلى مواقف قوى وطنية أخرى ، بينها موقف الزعيم الدرزى “وليد جنبلاط” قيادى “الحزب الاشتراكى التقدمى” ، الذى طالب بإغلاق ملف البحث عن اتفاق سلام وتطبيع من خلال المفاوضات المباشرة ، وطالب بأن يقتصر التفاوض على وقف إطلاق النار واستعادة الأسرى وانسحاب قوات العدو من الجنوب اللبنانى إلى ما وراء الحدود الدولية ، وكأن “وليد جنبلاط” يستعيد بعضا من وهج أبيه “كمال جنبلاط” قائد الحركة الوطنية اللبنانية فى زمانه .
وهذه الإشارات المتفرقة تبرز للعيان ، أهمية وجدوى بعث جبهة وطنية لبنانية جامعة عابرة للطوائف ، تحتضن وتدافع عن مقاومة الجنوب ذات الطابع الشيعى الاستشهادى ، فالبيئة الشيعية هى التى تتحمل ولا تزال العناء الأكبر ، وهى الأكثر تأثرا بالقصف والقتل والنزوح ، وقد بلغ عدد النازحين إلى اليوم أكثر من مليون ومئتى ألف من الجنوب والضاحية الجنوبية ، واحتضنتهم بيئات اجتماعية من طوائف لبنانية أخرى مسيحية ودرزية وسنية ، لكن التركيب الطائفى للنظام السياسى اللبنانى ، وتصدر الأحزاب الطائفية للمشهد ، وتزوير الكثير منها لحقيقة الألم اللبنانى ، وميل أحزاب طائفية موصومة وقيادات سياسية إلى تغليب المحبة والولاء لكيان الاحتلال على أولوية المصلحة الوطنية اللبنانية ، واعتبار أن الهدف الأسمى هو نزع سلاح حزب الله ، وليس نزع السكين “الإسرائيلى” من رقبة لبنان والجنوب بالذات ، واصطفاف غالب كيانات اليمين المسيحى مع جماعات تنتسب زورا إلى سنة لبنان ، وقد كانت البيئة السنية هى الحاضنة التاريخية لنداءات العروبة والمقاومة والعداء لكيان الاحتلال ، ومع انقلابات الوضع العربى بعامة ، والميل المجانى إلى الخضوع والهوان والتطبيع والعمل فى خدمة “إسرائيل” ، توالت انشقاقات والانحرافات فى البيئة السنية وبعض الشيعية ، ولعبت فوائض المال البترولى دورا سلبيا مؤثرا فى لبنان ، الذى كان دائما مرآة عاكسة لما يدور فى المنطقة ، وهكذا تكون اصطفاف عظيم الأذى فى دوائر الإعلام والسياسة اللبنانية ، يقلب الحقائق رأسا على عقب ، ويكون ما قد تصح تسميته “حزب إسرائيل” فى لبنان ، الذى يحول معنى السيادة اللبنانية إلى معنى “السيادة الإسرائيلية” ، ويجعل من نزع سلاح حزب الله قضية القضايا ، ويستجيب بالغرائز المفتعلة إلى الأولويات المعلنة لحكومة العدو الإسرائيلى ، ولخطة رئيس وزراء العدو “بنيامين نتنياهو” بالذات ، الذى قبل أخيرا استجداء السلطة اللبنانية لمفاوضات مباشرة مع “إسرائيل” ، ووضع للتفاوض هدفا واحدا من شقين ، أولهما نزع سلاح “حزب الله” ، ثم الوصول لإتفاق تطبيع “إبراهيمى” مع لبنان ، ودونما تطرق إلى وقف فورى لإطلاق النار ولا انسحاب لقوات الاحتلال .
ومع أن التاريخ لا يعيد نفسه دائما لاختلاف الظروف ، إلا أن الحوادث قد تتشابه ، ويحكمها القانون نفسه ، فقبل أكثر من أربعين عاما ، كانت القوى ذاتها التى تعادى “حزب الله” اليوم ، وتعادى المقاومة الوطنية اللبنانية ، هى ذاتها التى كانت تعادى المقاومة الفلسطينية وقوات منظمة التحرير زمن ياسر عرفات ، وكانت القوى ذاتها تستعين بإمدادات السلاح “الإسرائيلى” سرا وجهرا ، وتشارك قوات الاحتلال فى تنفيذ مذابح “صابرا وشاتيلا” وغيرها ، وتعقد ما أسمته اتفاق سلام فى 17 مايو 1983 ، وكان رمز الحدث وقتها “بشير الجميل ” قائد ما يسمى “القوات اللبنانية ” ، التى يقود سميتها اليوم “سمير جعجع ” ، أعدى أعداء “حزب الله” ، ليس لأن “حزب الله” شيعى ، بل لأنه يقاوم “إسرائيل” ويتحالف مع إيران ، وقد صبر “حزب الله” طويلا وتحملت عناصره وبيئته كل الأذى وفواتير الدم والمعاناة والاغتيالات طوال خمسة عشر شهرا ، أعقبت اتفاق وقف إطلاق النار فى 27 نوفمبر 2024 ، لم يطلق الحزب فيها رصاصة واحدة ردا على عشرات آلاف الانتهاكات وصنوف العدوان ، وأفسح المجال للسلطات اللبنانية ، التى تخلفت عن أداء الواجب الوطنى فى رد الاعتداءات ، وتفرغت لما يسمى حصر السلاح وخطط نزع سلاح حزب الله ، ثم جعلت من سلاح الحزب كيانا محظورا ، بعد استئنافه القتال مع كيان الاحتلال ، وبمزيج من معانى الرد على اغتيال المرشد الروحى “على خامنئى” ، والدفاع عن كرامة لبنان والجنوب النازف المستنزف الصابر .
وكان الرد “الإسرائيلى” هو محاولة استعادة ما كان ، واحتلال الجنوب مجددا حتى نهر “الليطانى” ، وهو ما يقاومه “حزب الله” اليوم مجددا وبشراسة ، ويعجز مئات الآلاف من جنود الاحتلال عن التقدم ، ويخوض حرب عصابات جديدة متطورة تقنيا ، ويصنع الملاحم من “الخيام” إلى “بنت جبيل” ، وأضطر جيش الاحتلال لإشهارعجزه منفردا عن نزع سلاح حزب الله ، وطالب السلطات اللبنانية بالتعاون معه فى قتال “حزب الله” ، وهو ما يحمل معه مخاطر العودة لاقتتال طائفى وحرب أهلية مهلكة ، حمى الله لبنان ومقاومته من شرورها.
Kandel2002@hotmail.com

Exit mobile version