Site icon masr 306

لواء دكتور “سمير فرج” يكتب: قناة السويس… أمس واليوم وغدًا ..

الخبير الإستراتيجي سمير فرج

الخبير الإستراتيجي سمير فرج

تُعد قناة السويس أحد أهم الممرات الملاحية في العالم، إذ تربط بين البحرين الأبيض المتوسط والأحمر، ويعبر من خلالها نحو 12% من حجم التجارة العالمية، كما تمثل أقصر طريق بحري بين أوروبا وآسيا، حيث تختصر زمن الرحلة بنحو 15 يومًا مقارنة بالطريق حول رأس الرجاء الصالح.

وعندما نتحدث عن قناة السويس بالأمس، فإن البداية في رأيي ليست عند حفرها، ولا عند افتتاحها عام 1869، وإنما تبدأ منذ تولي الرئيس جمال عبد الناصر مسؤولية البلاد بعد ثورة يوليو 1952، عندما بدأ في استعادة حقوق المصريين. فقد كان نصيب مصر من أرباح القناة لا يتجاوز 3% فقط، بينما كانت بقية العائدات تذهب إلى شركة قناة السويس الأجنبية.

وجاءت الفرصة عندما سحبت الولايات المتحدة الأمريكية عرضها لتمويل مشروع السد العالي، فاتخذ الرئيس عبد الناصر قراره التاريخي بتأميم قناة السويس بعد دراسة كاملة للموقف الدولي والإقليمي.

ووقع الاختيار على المهندس محمود يونس، رئيس الهيئة العامة للبترول، ليتولى مسؤولية تنفيذ عملية التأميم، التي أصبحت واحدة من أهم اللحظات في تاريخ مصر الحديث، حيث تمت السيطرة على جميع مقار شركة قناة السويس، وبدأت لأول مرة الإدارة المصرية الكاملة للقناة.

وبعد استلام الإدارة المصرية للقناة، اكتشف المسؤولون أن شركة قناة السويس الأجنبية تعمدت إهمال أعمال التطوير، خاصة المجرى الملاحي ونظام المرور، إلى جانب إهمال أسطول الكراكات والقاطرات، وذلك بهدف الضغط على مصر لمد امتياز الشركة بعد انتهاء مدته عام 1968.

وكانت محاولات مد الامتياز قد بدأت منذ عام 1883، ثم تكررت في 1886 و1890 و1909، ثم مرة أخرى عام 1950.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل قام الغرب بعدة محاولات لاستعادة السيطرة على القناة، كان أولها مؤتمر لندن لتدويل قناة السويس، وهو ما رفضه الرئيس عبد الناصر رفضًا قاطعًا. وقرر المؤتمر إرسال لجنة رفيعة المستوى برئاسة رئيس وزراء أستراليا روبرت منزيس للتفاوض مع الرئيس عبد الناصر، حاملاً مشروع قرار من نحو 600 كلمة، يمكن اختصاره في ست كلمات هي: “ارحلوا يا مصريين… سندير القناة بدلاً منكم.” لكن مصر رفضت هذا الطرح.

واستمرت بريطانيا وفرنسا في محاولاتهما لتدويل القناة، فلجأتا إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار ضد مصر، إلا أن المشروع فشل بعد استخدام الاتحاد السوفيتي حق الفيتو تأكيدًا لحق مصر في إدارة قناتها.

وعقب ذلك، لجأت بريطانيا وفرنسا إلى إسرائيل، وتم عقد اتفاق سيفر السري في ضاحية سيفر بباريس، الذي جرى خلاله التخطيط للعدوان الثلاثي على مصر عام 1956، حيث كان المخطط يقضي بأن تهاجم إسرائيل مصر أولًا، ثم تتدخل بريطانيا وفرنسا بحجة حماية الملاحة في قناة السويس، وإعادة إدارتها لصالح المجتمع الدولي. إلا أن العدوان الثلاثي انتهى بالفشل، لتبدأ مرحلة جديدة من النضال المصري ضد الاستعمار.

وبرزت خلال تلك الفترة أيضًا قضية التسوية المالية لأسهم شركة قناة السويس، إذ إن مصر قامت بتأميم القناة ولم تصادرها، ولذلك سددت تعويضات بلغت نحو 28.3 مليون جنيه إسترليني لحملة الأسهم قبل موعد الاستحقاق بعام كامل.

كما تعرضت الإدارة المصرية لمؤامرة أخرى تمثلت في انسحاب المرشدين الأجانب بهدف تعطيل الملاحة وإثبات عدم قدرة المصريين على إدارة القناة. إلا أن المرشدين المصريين، بمساندة عدد من المرشدين اليونانيين، وبمشاركة ضباط من القوات البحرية المصرية، نجحوا في إحباط المؤامرة، حيث تمكن 39 مرشدًا مصريًا و11 مرشدًا يونانيًا وثلاثة مرشدين أجانب من إرشاد 42 سفينة في اليوم الأول بعد انسحاب المرشدين الأجانب، وهو ما دفع الرئيس عبد الناصر إلى منحهم وسام الاستحقاق تقديرًا لدورهم الوطني.

أما قناة السويس اليوم، فقد شهدت طفرة كبيرة في أعمال التطوير تحت الإدارة المصرية، حيث تم تنفيذ مشروع تطوير القطاع الجنوبي لمواكبة التطور المتسارع في حركة التجارة العالمية وصناعة السفن العملاقة ذات الغواطس الكبيرة، بما يحافظ على مكانة قناة السويس كأهم ممر ملاحي في العالم.

وشمل المشروع تطوير القطاع الجنوبي بطول 40 كيلومترًا، وتنفيذ ازدواج للمجرى الملاحي بطول 10 كيلومترات، ليصل إجمالي الجزء المزدوج إلى 82 كيلومترًا، إلى جانب توسيع وتعميق المجرى الملاحي بزيادة عرضه 40 مترًا وتعميقه إلى 72 قدمًا، فضلًا عن تنفيذ أعمال حماية وتأمين للمجرى الملاحي، بما يسمح بزيادة عدد السفن العابرة وتقليل زمن الانتظار.

وفي إطار تطوير الأسطول البحري، انتهجت هيئة قناة السويس استراتيجية متكاملة لتوطين الصناعة البحرية، تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث بدأت الهيئة في بناء مجموعة من الوحدات البحرية الحديثة داخل الترسانات البحرية في بورسعيد والسويس، بالتعاون مع شركات القطاع الخاص، بما يواكب أحدث التطورات العالمية في هذا المجال.

كما أسست الهيئة شركة قناة السويس للقوارب الحديثة، التي أصبحت تمتلك خبرات متقدمة في بناء سفن أعالي البحار، والقاطرات البحرية، وقوارب الفيبر جلاس، واليخوت الفاخرة.

وفي مجال تطوير أسطول الكراكات، أصبحت هيئة قناة السويس تمتلك أكبر كراكتين في الشرق الأوسط، بالتعاون مع ترسانة رويال الهولندية، وهي المعدات الأساسية لأعمال التكريك والتطهير والصيانة الدورية للمجرى الملاحي، بما يحافظ على عمق يصل إلى 24.5 مترًا. كما تعاقدت الهيئة على تحديث أسطول القاطرات البحرية المصاحبة للسفن العابرة، ونجحت في بناء عدد من القاطرات الحديثة بقدرات مختلفة، لتوفير أعلى درجات التأمين الملاحي داخل القناة.

وهكذا تصبح قناة السويس الجديدة ايقونة للتطوير من خلال العقلية المصرية.

Email: sfarag.media@outlook.com

Exit mobile version