Site icon masr 306

“نورا سمير فرج” تكتب: الدلتا الجديدة مشروع الأسرة المصرية ..

الكاتبة والناشطة نورا سمير فرج

الكاتبة والناشطة نورا سمير فرج

لم تشهد مصر نهضة زراعية كبيرة منذ عهد محمد علي إلا في هذه الأيام، في عهد الرئيس السيسي، حيث يهدف حاليًا إلى إضافة 4.5 مليون فدان إلى الأراضي الزراعية المصرية.

ولعل أهم هذه الإضافات هو مشروع الدلتا الجديدة بمساحة 2.2 مليون فدان، أي ما يعادل 23% من حجم الرقعة الزراعية الحالية لمصر، وباستثمارات ضخمة تجاوزت 800 مليار جنيه.

ولا ترجع أهمية هذا المشروع إلى حجمه فقط، وإنما لأنه يمثل رؤية متكاملة للتعامل مع واحدة من أخطر القضايا التي تواجه مصر، وهي الفجوة الغذائية المتزايدة.

لقد ارتبط مفهوم الدلتا عبر التاريخ بمصبات الأنهار، ولذلك استغرب البعض إطلاق اسم “الدلتا الجديدة” على مشروع يقع في قلب الصحراء الغربية.

لكن المقصود هنا ليس التعريف الجغرافي التقليدي، وإنما الدور الذي تقوم به الدلتا نفسها. فكما كانت دلتا النيل عبر آلاف السنين مصدر الغذاء والاستقرار السكاني في مصر، تستهدف الدلتا الجديدة أن تؤدي الدور ذاته خارج الحدود التقليدية للوادي والدلتا.

وتاريخيًا، لم تكن التنمية العمرانية في مصر تنفصل عن التنمية الزراعية. فعندما تم إنشاء ترعة الإسماعيلية في القرن التاسع عشر، نشأت حولها مدينة الإسماعيلية، وتحولت المنطقة من صحراء إلى مجتمع متكامل. وتكرر الأمر في العديد من مناطق الاستصلاح الزراعي التي تحولت بمرور الوقت إلى مراكز سكانية وإنتاجية جديدة.

ومن هنا تأتي أهمية الدلتا الجديدة، فهي ليست مجرد مشروع زراعي، وإنما مشروع تنموي متكامل يهدف إلى خلق مجتمعات جديدة وفرص عمل جديدة ومصادر إنتاج جديدة خارج الوادي الضيق الذي يعيش عليه أكثر من مائة مليون مواطن.

وتواجه أي مشروعات استصلاح زراعي في مصر تحديًا رئيسيًا يتمثل في المياه.

فالمياه الجوفية وحدها لا تكفي لتحقيق توسع زراعي بهذا الحجم، كما أن جزءًا كبيرًا منها يعاني من ارتفاع نسب الملوحة.

لذلك اعتمد المشروع على رؤية مختلفة تقوم على إعادة استخدام مياه المصارف الزراعية بعد معالجتها، إلى جانب الاستفادة من مياه النيل ونقلها عبر شبكة ضخمة من محطات الرفع والترع الحديثة.

ولعل ما يلفت النظر في هذا المشروع أنه لا يعتمد فقط على زيادة المساحات الزراعية، وإنما على رفع كفاءة استخدام الموارد المتاحة. فبدلًا من إهدار مياه المصارف الزراعية في البحر، يتم معالجتها وإعادة استخدامها مرة أخرى، وهو ما يضيف موردًا مائيًا جديدًا للدولة دون الحاجة إلى مصادر خارجية إضافية.

وعند الحديث عن الأرقام، نجد أنفسنا أمام مشروع غير مسبوق.

فالمساحة المستهدفة تبلغ 2.2 مليون فدان، بينما توفر المشروعات المرتبطة به ما بين مليون إلى مليوني فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة. كما تمثل هذه المساحات إضافة كبيرة إلى الرقعة الزراعية المصرية التي شهدت خلال العقود الماضية توسعًا مستمرًا من خلال مشروعات النوبارية وتوشكى وشرق العوينات وغرب المنيا وسيناء.

ومن أبرز النتائج المنتظرة من المشروع تقليل الفجوة الغذائية التي تتحمل الدولة بسببها فاتورة استيراد ضخمة.

فوفقًا للأرقام المعلنة، تستورد مصر ما يقرب من 65% من احتياجاتها الغذائية بتكلفة تصل إلى نحو 17 مليار دولار سنويًا. وفي المقابل، تحقق الصادرات الزراعية والغذائية المصرية نحو 14 مليار دولار، وهو ما يعكس أهمية القطاع الزراعي في دعم الاقتصاد الوطني.

وتبرز قضية السكر كأحد النماذج الواضحة على أهمية المشروع.

فمصر تحقق حاليًا نسبة اكتفاء ذاتي تتراوح بين 80% و85% من احتياجاتها من السكر، بينما تستهدف الدولة الوصول إلى الاكتفاء الكامل من خلال التوسع في زراعة بنجر السكر. ويتميز البنجر بانخفاض استهلاكه للمياه مقارنة بقصب السكر، فضلًا عن ملاءمته للأراضي الجديدة.

وقد أثبتت التجارب الزراعية التي أجريت في مناطق المشروع نجاحًا لافتًا، حيث ارتفعت إنتاجية البنجر من متوسط يتراوح بين 30 و40 طنًا للفدان في بعض مناطق الدلتا إلى ما بين 40 و50 طنًا للفدان في الأراضي الجديدة، مع زيادة نسبة السكر في المحصول نفسه.

كما أن نقل زراعة البنجر تدريجيًا إلى الأراضي الجديدة يتيح تحرير ما يقرب من مليون فدان داخل الدلتا القديمة، يمكن استغلالها في زراعة محاصيل استراتيجية أخرى تحتاجها السوق المصرية مثل الفول والعدس والحمص، وهو ما يحقق مكاسب مزدوجة للاقتصاد الزراعي المصري.

وفي النهاية، فإن مشروع الدلتا الجديدة لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد مشروع استصلاح أراضٍ، وإنما باعتباره مشروعًا للأمن القومي المصري. فالدول التي لا تمتلك غذاءها تصبح أكثر عرضة للضغوط الخارجية وتقلبات الأسواق العالمية، بينما يمنح الإنتاج المحلي الدولة قدرًا أكبر من الاستقلال والقدرة على مواجهة الأزمات.

ولهذا فإن نجاح مشروع الدلتا الجديدة لا يُقاس فقط بعدد الأفدنة التي تمت زراعتها، وإنما بما ستضيفه من غذاء وفرص عمل واستثمارات وتنمية عمرانية خلال العقود القادمة، لتصبح نموذجًا جديدًا لكيفية تحويل الصحراء إلى مصدر للإنتاج والاستقرار والتنمية. والأهم من ذلك أنها سوف تستوعب مئات الآلاف من الأسر المصرية، حيث تنتقل الأسرة كاملة؛ الأب والأم والأبناء، لتعيش وتعمل في هذه المجتمعات الجديدة، سواء في الزراعة أو الصناعات المرتبطة بها أو الخدمات المختلفة. ومن هنا لا تصبح الدلتا الجديدة مجرد مشروع زراعي، بل مشروعًا متكاملًا لبناء مجتمع جديد لصالح الأسرة المصرية وتحسين مستوى معيشتها، وهو ما يمثل أحد أهم أهداف التنمية الشاملة في مصر.

Email: n-farag@hotmail.com

Exit mobile version