“هاني أبو الفتوح” يكتب: رقمنة إيه.. تعيش إنت يا حاج ..!!
ahmed ibrahim
هل المطلوب من المواطن يصدق شعار مصر الرقمية على الورق ولا يصدق التجربة اللي بتقابله عند الشباك؟
السؤال بسيط ومحرج في نفس الوقت. مواطن رايح يدفع فاتورة خدمة حكومية فيلاقي نفسه قدام اختيار أغرب من الخيال يا يدفع إلكتروني ويتحمل عمولة يا يرجع للكاش ويخلّص. طب ما هو كده الكاش طالع أرحم من الرقمنة.
الموضوع هنا مش ماكينة دفع واقفة على مكتب ولا تطبيق على الموبايل ولا صورة حديثة نحطها على واجهة خدمة قديمة.
التحول الرقمي الحقيقي بيبان في اللحظة اللي المواطن يستخدم فيها الخدمة.
إذا خرج من التجربة وهو حاسس إن الدفع الإلكتروني أغلى أو أعقد أو محتاج مجهود إضافي يبقى الرسالة اللي وصلت له عكس الرسالة الرسمية تمامًا.
البنك المركزي أصدر تعليمات واضحة بقبول الدفع الإلكتروني من غير تحميل العميل أي عمولات إضافية. وهذه مش تفصيلة فنية تخص البنوك وحدها لكنها قاعدة ثقة بين المواطن والمنظومة.
المواطن لا يهمه من يتحمل التكلفة ولا من لم ينسق ولا أين تعطل التطبيق. هو يرى النتيجة النهائية دفع إلكتروني عليه عبء وكاش ينجزه أسرع.
وهنا الأزمة الحقيقية. جهة تصدر تعليمات وجهة أخرى تطبق بعكس روح التعليمات والمواطن واقف في النص يدفع وقت وعمولة ومشاوير وأعصاب.
وبعد كل ده نرجع نسأله لماذا لا يتحول الناس رقميًا؟ يا عزيزي المواطن هنا بيعمل حساب جيبه ووقته مش حساب الشعارات.
التحول الرقمي لا ينجح بمجرد إعلان النية.
يحتاج إلى قرار واضح وتنفيذ موحد ورقابة حقيقية ومحاسبة لأي جهة تجعل الطريق الإلكتروني أكثر تكلفة أو أقل راحة من الكاش.
لأن المسألة ليست في أن نضع وسيلة دفع حديثة أمام المواطن لكن في أن نجعل هذه الوسيلة أفضل فعلًا من البديل القديم. غير كده نحن لا نبني تحولًا رقميًا نحن نعلّق لافتة رقمية على باب إجراء ورقي.
التجربة التي حدثت معي أمس في شركة شمال القاهرة لتوزيع الكهرباء في العبور تكشف هذه الفجوة بوضوح.
أهميتها لا تأتي من كونها واقعة شخصية لكنها تكشف نموذجًا لما قد يواجهه المواطن في جهات خدمية مختلفة. عندما تكون الرسالة العملية للمواطن ادفع إلكترونيًا وتحمل عمولة أو اسحب كاش وخلّص نفسك فالمشكلة ليست في وعي المواطن. المشكلة في مؤسسات تطلب من الناس التحول الرقمي بينما هي نفسها لم تنفذ التحول الرقمي على نفسها.
اللي يفرّس فعلًا أن الخطاب الرسمي في ناحية والتجربة اليومية في ناحية تانية.
الخطاب يقول ادفع إلكتروني. والشباك يقول اسحب كاش أحسن لك أو تدفع رسوم. وبين الخطاب والشباك تضيع الثقة وهي أخطر من أي عمولة لأن المواطن قد ينسى تفاصيل البيان لكنه لا ينسى تجربة دفع أرهقته أو حمّلته تكلفة غير مفهومة.
هذه ليست مشكلة تقنية. هي خلل تنسيق ورقابة. ويمكن تسميتها بوضوح شيزوفرينيا مؤسسية.
جهة تتحدث بلغة التحول الرقمي وإجراء يومي يدفع المواطن للعودة إلى الكاش. والنتيجة أن الدولة تقول للناس اتقدموا خطوة بينما بعض الممارسات تشدهم خطوة للخلف.
لو كنا جادين في التحول الرقمي فالمعيار ليس عدد التطبيقات ولا عدد ماكينات الدفع. المعيار الحقيقي هل أصبح الطريق الإلكتروني أسهل وأوضح وأعدل من الكاش؟ إذا كانت الإجابة لا يبقى المشكلة ليست عند المواطن. المشكلة عند مؤسسة لم تضبط نفسها قبل أن تطلب من الناس أن يغيروا سلوكهم.
السؤال الأخير ليس هل المواطن جاهز للتحول الرقمي؟ السؤال الأوجع هل المؤسسات جاهزة أصلًا؟ طالما المواطن يخرج من الشباك وهو مقتنع أن الكاش أهو أسهل يا حاج يبقى إحنا قدام تحول رقمي على الورق وتجربة يومية بتقول له ارجع للكاش وخلّص.
To provide the best experiences, we use technologies like cookies to store and/or access device information. Consenting to these technologies will allow us to process data such as browsing behavior or unique IDs on this site. Not consenting or withdrawing consent, may adversely affect certain features and functions.