Site icon masr 306

د “ريهام مصطفي” تكتب: مصر وتحقيق التوازن الاستراتيجي في القرن الإفريقي..

د ريهام مصطفي

د ريهام مصطفي

تمر منطقة الشرق الأوسط بالعديد من التحديات المركبة غير المسبوقة، فالمجال البحرى يحمل إمكانات اقتصادية هائلة يُطلق عليها الاقتصاد الأزرق ما يجعله عرضة للمنافسة بين القوى العظمى.

منذ سنوات قليلة، شهدت منطقة شرق المتوسط العديد من الصراعات، مع اكتشافات الغاز، ومع وجود احتياطات كبيرة من الغاز فى هذا الإقليم، والتى تقدر بنحو 122 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعى. وتضم منطقة شرق البحر المتوسط دولا تتمايز فى خصائصها ما بين؛ دول منتجة ودول مستهلكة، ودول عبور ونقل للغاز.

كادت تؤدى هذه الصراعات إلى حرب إقليمية شاملة.

كانت رؤية الدولة المصرية للتصدى لهذه الصراعات ونزع فتيل الأزمة فى المنطقة هى تعزيز التعاون الإقليمى، وتحقيق المنافع الاقتصادية للجميع.

نظراً لقوة مصر إقليمياً ودولياً، كقوة إقليمية محورية فى المنطقة، نجحت مصر فى تأسيس منتدى شرق المتوسط للغاز ومقره القاهرة.

بدأ تأسيس المنتدى بقمة عقدت فى أكتوبر2018، على جزيرة كريت اليونانية، جمعت الرئيس عبدالفتاح السيسى، والرئيس القبرصى، ورئيس الوزراء اليونانى ثم انضمت له كل من إيطاليا والأردن وإسرائيل وفلسطين وتم تشكيل منتدى غاز شرق المتوسط.

ويعتبر المنتدى فرصة للتعاون بين الدول المتوسطية وتحقيق المنافع لهذه الدول، وللاقتصاد العالمى ككل، من خلال إنشاء سوق إقليمية للغاز بمنطقة شرق المتوسط، تحمل الصفة الرسمية للتمثيل فى المحافل الدولية.

والآن تشهد منطقة القرن الإفريقى العديد من التحديات والتهديدات المركبة.

فيعد مضيق باب المندب من أهم المعابر المائية فى العالم، والذى برزت أهميته بوضوح مع افتتاح قناة السويس عام 1869، حيث أصبح يشكل إحدى الحلقات المهمة للطريق البحرى، والذى يمتد من المحيط الهندى مرورا ببحر العرب وخليج عدن، وعبر باب المندب إلى البحر الأحمر ثم البحر الأبيض المتوسط عبر قناة السويس.

تنامت أهمية المضيق الاقتصادية مع مرور الزمن، حيث شكل ممرا بحريا للتجارة الدولية، لما يوفره من الجهد والوقت والتكلفة المادية، وأصبح يتمتع بحركة ملاحة كثيفة فى كلا الاتجاهين، حيث يمر به معظم التبادل التجارى بين آسيا وأوروبا.

فى عام2013، ومع بدء التوجه نحو إعادة تشكيل حركة التجارة العالمية، وقيام الصين بإطلاق مبادرة «الحزام والطريق» بهدف إحياء طريق الحرير القديم.

ازدادت أهمية البحر الأحمر ببوابتيه، البوابة الشمالية، قناة السويس، والجنوبية مضيق باب المندب.

وفى عام 2015، تنامت أهمية البحر الأحمر، مع افتتاح قناة السويس الجديدة والتى نتج عنها ازدواج القناة ما أدى إلى ارتفاع تصنيف القناة من خلال وكالة الطاقة الأمريكية، كأهم الممرات الإستراتيجية لشحن النفط الخام والمنتجات البترولية والغاز الطبيعى المسال من الخليج العربى إلى أوروبا وأمريكا الشمالية.

والآن مع الاستمرار فى إستراتيجية تطوير القناة وتعزيز قدراتها ورفع كفاءتها وزيادة تنافسيتها، ومع كفاءة منظومة الأمان والسلامة البحرية للسفن العابرة للقناة من خلال ما تمتلكه هيئة قناة السويس من خبرات فى مجالات الإرشاد والإنقاذ البحرى وخدمات الإصلاح والصيانة وغيرها من الخدمات الملاحية بالإضافة إلى ما تحظى به من تأمين كامل من قبل القوات المسلحة المصرية.

تتنامى أهمية تأمين البوابة الجنوبية للبحر الأحمر التى تشهد صراعات غير مسبوقة.

فمنذ بداية الحرب فى غزة، وتحديداً منذ نوفمبر الماضى تشهد حركة الملاحة فى البحر الأحمر الكثير من التوترات مما أثر على قناة السويس وعلى حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد.

وتؤكد مصر دائما أن تأمين الملاحة فى البحر الأحمر وحماية مضيق باب المندب هو أولوية قصوى من أولويات الأمن القومى المصرى.

كما تؤمن مصر دائما بأن تعزيز التعاون الإقليمى هو السبيل لتحقيق الأمن والسلام فى المنطقة تجنباً للمخاطر والصراعات.

فقد نجحت مصر فى تشكيل شراكات إستراتيجية إقليمية لأمن البحار فى شرق المتوسط، بما يؤدى إلى تحسين الأمن والسلامة البحرية فى المنطقة. المتابع لمسارات تحرك الدولة المصرية، فى منطقة القرن الإفريقى، يشهد رؤية استراتيجية مصرية واضحة للتعامل مع القضايا المُركبة فى المنطقة، لا تركز فقط على حل أزمة مياه النيل والسد الإثيوبى، وإنما تمتد إلى تأمـيـــــــن ميــــــاه النيـــل، والحفـــاظ علـــى أمـــن واستقرار الســـودان وأمن واستقرار الصومال والبحـــر الأحمـــر.

من خلال تعزيـــز العلاقـــات الدبلوماسية والعسكرية والاقتصاديـــة، وتعزيز التعاون الإقليمى لتحقيق التوزان الاستراتيجى للمنطقة بما يخدم المصالح المصرية والإقليمية والإفريقية، وبما يتوافق مع القانون الدولى والأعراف الدولية وسيادة الدول.

فوقعت مصر مع الصومال، فى أغسطس، بروتوكول تعاون عسكرى بين البلدين، إضافة لخطوات دبلوماسية وتجارية من بينها افتتاح السفارة المصرية فى مقرها الجديد بالعاصمة مقديشيو، وإطلاق خط طيران مباشر بين البلدين. يتزامن ذلك مع تولى مصر قيادة مجلس السلم والأمن الإفريقى بعد أيام قليلة فى أكتوبر مما يمكنها من القيام بدورها الإقليمى والتاريخى فى الحفاظ على أمن واستقرار وسيادة ليس فقط دول القرن الإفريقى ولكن استقرار كل الدول الإفريقية، كما صرح بذلك الرئيس السيسى خلال المؤتمر الصحفى مع الرئيس الصومالى . يتزامن ذلك أيضا مع تجديد بعثة حفظ السلام فى الصومال هذا العام والتى ستشارك مصر فيها.

يأتى ذلك مع تولى الصومال مقعدا فى مجلس الأمن الدولى لعامين متتاليين 2025 و2026. ستنجح مصر فى قيادة المنطقة فى المرحلة القادمة بالتعاون مع الأشقاء فى المنطقة، لتحقيق التوازن الإستراتيجى، والوصول إلى الاستقرار والسلام الشامل القائم على احترام سيادة الدول وتحقيق المصالح المشتركة لشعوب المنطقة.

• أستاذ الإستراتيجية والسياسات العامة – جامعة حلوان

 

ـ نشرت بجريدة الأهرام ـ الأربعاء 1 من ربيع الأول 1446 هــ 4 سبتمبر 2024 السنة 149 العدد 50311
Exit mobile version