Site icon masr 306

“عبدالحليم قنديل” يكتب: مجلس حرب لا مجلس سلام ..

الكاتب الصحفي د عبد الحليم قنديل

الكاتب الصحفي د عبد الحليم قنديل

    لا أحد عاقل يأمل كثيرا ولا قليلا فى نتائج ترتجى من الاجتماع الأول المرتقب لما يسمى “مجلس السلام” فى “غزة” ، فالقصة المسيطرة على المشهد ولأسابيع تتلو ، هى الاستعدادات الجارية لضرب إيران ، وأجواء الذهاب إلى حرب ، إن لم تكن بدأت بالفعل ، تتناقض بالطبيعة مع إدعاءات البحث عن سلام ، وقبل اجتماع مجلس السلام إياه ، جرى عقد اجتماع مجلس الحرب بين الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب” ورئيس الوزراء “الإسرائيلى” “بنيامين نتنياهو”، الذى لن يحضر اجتماع مجلس السلام ، ومعنى ذلك ظاهر وبسيط ، فقوة الاحتلال المسيطرة على الأرض فى “غزة” ، لا تبدى تجاوبا بأى قدر ملموس مع ترتيبات جارية باسم تنفيذ “خطة ترامب” ومراحلها فى “غزة” ، وقد بدا ذلك فى العرقلة “الإسرائيلية” لكل الخطوات ، وترحيل استحقاقات من المرحلة الأولى إلى ما بعد إعلان الدخول فى المرحلة الثانية ، بينها ـ مثلا ـ فتح معبر “رفح” فى الاتجاهين ، أى خروج الجرحى ومرافقيهم إلى مصر ، وعودة “الغزيين” الراغبين إلى القطاع ، وبدت الإعاقات طافحة فى التفاصيل ، فالمعبر يدار شكلا بالطريقة المتفق عليها منذ عام 2005 ، بوجود مصرى وحضور أوروبى ومشاركة فلسطينية ، حتى لو انتقل ختم النسر الفلسطينى من السلطة إلى اللجنة الوطنية المتفق عليها لإدارة “غزة” ، لكن لادخول ولا خروج للفلسطينيين المعنيين إلا بعد المرور على نقطة تفتيش “إسرائيلية” ، يجرى فيها التنكيل بهم والتحقيق والاستجواب ، وسلب ما يحملون من أمتعة أو هدايا رمزية ، ويستعين الضباط والجنود “الإسرائيليين” بعملاء من جماعة المجحوم “أبو شباب” وغيرهم ، كل ذلك رغم حصول أسماء المنكل بهم على موافقة “إسرائيلية” مسبقة ، المحصلة أن الأعداد الخارجة والداخلة يجرى اختصارها إلى أدنى حد ، فقد سجل نحو 80 ألف فلسطينى أسماءهم فى قوائم الراغبين بالعودة ، وهناك أكثر من 20 ألف مصاب ومريض فلسطينى تقرر خروجهم للعلاج العاجل ، والإعاقات “الإسرائيلية” تقلص حركة العودة والعلاج ، فوق أن كيان الاحتلال يشترط تعسفيا منع عودة الخارجين من “غزة” قبل تاريخ 7 أكتوبر 2023 ، أى قبل بدء حرب الإبادة الجماعية .

    ولا تخفى ـ بالطبع ـ مخالفات الكيان الفظة حتى لنصوص “خطة ترامب” ، التى تقرر حرية خروج أو عودة الفلسطينيين الراغبين دون قيود ، فقد تصور الكيان ، وتصورت معه واشنطن ، أن الهدف من فتح المعبر هو تشجيع ما يسمونه “التهجير الطوعى” للفلسطينيين ، وبنوا أوهامهم على استطلاعات رأى صنعوها بأنفسهم لأنفسهم ، استشهد بها “ترامب” فى لقائه السادس مع “نتنياهو” نهاية العام 2025 ، وزعمت أن نصف سكان “غزة” يريدون الخروج منها فورا ، وفوجئ الطرفان بإقبال الفلسطينيين على رغبة العودة حتى لو لم تكن لهم منازل ، وتحملهم لكافة صور التنكيل الإجرامى من أجل العودة لأراضيهم المقدسة ، وهو ما أثبتوه مرارا خلال حرب الإبادة ، فهم لا يريدون الخروج إلا لأغراض موقوتة كدراسة الطلاب أو العلاج ، وهو ما بدا كصدمة للأمريكيين و”الإسرائيليين” بالذات ، وكفشل مضاف لحرب الإبادة التى قتلت وجرحت ومزقت أشلاء ربع مليون فلسطينى بأقل تقدير ، وهدمت وتهدم كل سبل الإقامة فى “غزة” ، ودمرت 90% من البيوت والمدارس والمستشفيات ودور العبادة ، وجوعت ولاتزال أكثر من مليونى فلسطينى ، وأضافت أكثر من ألفى شهيد وجريح فلسطينى أغلبهم من النساء والأطفال والرضع ، قتل هؤلاء وغيرهم بالقصف أو الهلاك جوعا وبردا ، رغم السريان الصورى للهدنة منذ العاشر من أكتوبر 2025 ، وأضيف للدمار الشامل السابق هدما لثلاثة آلاف منزل إلى الآن ، وكل ذلك مع بقاء قوات الاحتلال جاثمة وراء ما أسموه “الخط الأصفر” ، ودونما رغبة معلنة من “ترامب” ولا من مبعوثيه لدفع قوات الاحتلال للانسحاب من المنطقة الصفراء ، أو البدء فى التراجع إلى ما أسمته “خطة ترامب” بالخط الأحمر لصق حدود “غزة” ، مع التغاضى الأمريكى كليا عن مئات الاختراقات “الإسرائيلية” لوقف إطلاق النار المعلن ، وتوسيع مساحة الاحتلال المباشر إلى ما يزيد على 60% من إجمالى مساحة القطاع ، وعدم الوفاء غالبا باستحقاقات البروتوكول الإنسانى التى كان مقررا تنفيذها من أول يوم هدنة ، فلم يدخل إلى القطاع المدمر سوى أقل من ربع شاحنات الإغاثة والوقود والأدوية والمستلزمات الطبية ، ولا دخلت مئات الآلاف من الخيام والمنازل الجاهزة المتفق عليها ولا آليات فتح الشوارع وإزالة الركام ، وفى القطاع 60 مليون طن من الركام ، مع تحطيم شامل لبنية الكهرباء والمياه والصرف الصحى والأراضى الزراعية ، وكلها أسباب تكفى وتزيد لخنق ومحو أبسط صور الحياة ، ورغم كل هذا الخراب غير المسبوق فى تاريخ الحروب ، يتسابق عشرات آلاف الفلسطينيين بتسجيل رغباتهم العودة إلى “غزة” ، ولو كانت ترابا وطينا .

    وربما تكون هذه الحالة من الاستعصاء الفلسطينى ، هى التى تدفع الأمريكيين للتلاعب فى أولويات المرحلة الثانية من الخطة المتعثرة ، وطرح قضية نزع سلاح “حماس” وأخواتها كأولوية مطلقة ، وبحسب ما نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية قبل أيام ، فإن المبعوث الأمريكى “ستيف ويتكوف” ومعه صهر الرئيس الأمريكى “جاريد كوشنير” يعتزمان عرض خطة نزع السلاح على مفاوضى “حماس” خلال أسابيع ، وعلى أن تكون الخطة بمراحل تستغرق شهورا للتنفيذ ، ولا تستبقى لمقاتلى “حماس” وأخواتها سوى بعض الأسلحة الخفيفة مؤقتا ، ومع جعل نزع السلاح شرطا مسبقا لنشر ما تسمى “قوة الاستقرار الدولية” أو الشروع فى إعادة الإعمار وبدء انسحاب القوات “الإسرائيلية” بالتدريج ، وهو شرط يصادر كما ترى على جوهر المطلوب ، فحركات المقاومة ليست جيوشا بمخازن أسلحة قابلة للرصد والتفريغ ، والدول التى ستشارك فى “قوة الاستقرار” ليست مستعدة للزج بجنودها فى صدام مسلح مع حركات المقاومة ، فوق أن مفاهيم الأسلحة الخفيفة والأسلحة الثقيلة لا تبدو صالحة لتفسير نوعية سلاح المقاومة ، الذى تصنعه الفصائل بنفسها فى ورش وأنفاق ، و”إسرائيل” تزعم أن ما تبقى من مقاتلى “حماس” يبلغ عددهم نحو 20 ألفا ، وأن لديهم 60 ألف بندقية “كلاشنيكوف” ، وتقول أن مهمة القوات الدولية الأولى هى نزع سلاح المقاومة وهدم الأنفاق ، وتهدد بالقيام بالمهمة إن عجزت عنها القوات الدولية ، المكلفة أساسا بحفظ السلام ومراقبة التزام “إسرائيل” بالانسحاب ووقف إطلاق النار ، وهو ما يضيف تعقيدات أخرى لخطط مجلس السلام “الترامبى” ، فهو لا يستطيع التأكد من نزع سلاح المقاومة ، ولا يملك ولا يريد إجبار الاحتلال على الانسحاب ، فوق أن “إسرائيل” ذاتها لا تستطيع نزع سلاح المقاومة ولا كشف كل أنفاقها ، وقد جربت أن تفعل ـ ومعها أمريكا ـ عبر أكثر من سنتين من حرب الإبادة ، وكان الفشل بالخصوص ظاهرا ، وهى الآن تستخدم دعوى نزع السلاح فقط كذريعة لاستئناف حرب الإبادة ضد المدنيين العزل وتدمير البشر والحجر والشجر .

    وإضافة للإعاقات القائمة بوجه اتفاق “غزة” ، وغياب رغبة القائد الأمريكى لمجلس السلام فى حمل “إسرائيل” على تنفيذ التزاماتها المقررة ، تتفاقم الحالة فى الضفة الغربية ، التى تشهد الفصل الأخير من الانقلاب “الإسرائيلى” على اتفاقات “أوسلو” وأخواتها ، وإتمام إجراءات الضم “الإسرائيلى” الفعلى للضفة ، وبكافة مناطقها (أ) و(ب) و(ج) ، ونقل سجلات المبانى والأراضى بالكامل إلى يد سلطات الاحتلال المدنية والأمنية ، وتوحش الاستيطان اليهودى واكمال خططه ، وتسليح مئات الآلاف من قطعان المستوطنين ، وإدارة حرب دموية يومية ضد الفلسطينيين ، والاستيلاء على ممتلكاتهم وحتى أغنامهم ، وهدم مئات الآلاف من منازلهم ، وتشريع نقل أملاك الفلسطينيين إلى أيدى “الإسرائيليين” عبر “حارس أملاك الغائبين” فى القدس ، واستكمال تهويدها باخلاء الأحياء العربية المتبقية ، وجعل اقتحام المسجد الأقصى روتينا يوميا ، والتمهيد لهدمه بعد اعتياد اقامة الصلوات “التلمودية” فى ساحاته ، والضم الرسمى للحرم الإبراهيمى فى الخليل ، وإقامة بلدية يهودية منفصلة فى الخليل ، والنزع شبه الكامل لصلاحيات السلطة الفلسطينية فى رام الله ، فيما تكتفى أغلب الجهات الأممية والدولية بصيحات الاستنكار وبيانات الإدانة ، وتكتفى جماعة “مجلس سلام ترامب” بترديد الأوهام عن رفض الرئيس الأمريكى لخطة ضم الضفة ، وهو الذى أيد ضم القدس بكاملها لكيان الاحتلال ، واعتبر ذلك من إنجازاته التى يفاخر بها لخدمة “إسرائيل” ، ويتظاهر اليوم برفض ضم الضفة دون تحرك افساحا فى المجال لإتمام خطة “إسرائيل” الهادفة لمنع إقامة أى كيان فلسطينى مستقل فى الحال أو فى الاستقبال .

    وبالإجمال ، لا معنى فى هذه اللحظة لحديث عن سلام مرتقب فى “غزة” ولا فى كل فلسطين ، ولا لتعليق آمال واهية على تعهد “خطة ترامب” بإنشاء مسار لكيان فلسطينى ، فما يجرى ليس طبخا لسلام ، ولا اتاحة فرص لتحصيل بعض الحقوق ، وتجدد الحروب أقرب من طرف الإصبع ، وبما يجعل مجلس السلام إياه مجرد لافتة مموهة لمجلس حرب حقيقى .

Kandel2002@hotmail.com

Exit mobile version