Site icon masr 306

“عبدالحليم قنديل” يكتب: حرب “إسرائيلية”بجيوش أمريكية على إيران ..

الكاتب الصحفي د عبد الحليم قنديل

الكاتب الصحفي د عبد الحليم قنديل

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين نتنياهو” ناطقا بحروف مباشرة ، حددت هدف الحرب فى إسقاط النظام الإيرانى باعتباره أكبر خطر وجودى اليوم على بقاء كيان الاحتلال ، وأعقبه بيان الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب” بذات المعنى وبألفاظ مقاربة ، وبعد ساعات ، كان إعلان النصر المتعجل موحدا من تل أبيب إلى واشنطن ، سبق إليه “نتنياهو” بإعلان التخلص من القائد الإيرانى الأعلى “على خامنئى” وعدد كبير من قادة طهران العسكريين ، ثم كان بيان “ترامب” بالقضاء على “خامنئى” ، وبعد مرور أيام قليلة على بدء الحرب الكبرى ، واكتشاف ثبات وتماسك وحيوية النظام الإيرانى رغم اغتيالات الضربة الأولى ، بدا “ترامب” متفاجئا مما جرى ، خصوصا حين ووجه بأسئلة عن البديل المعد للنظام الإيرانى ، فكانت أقواله غاية فى الارتباك والعجب ، وإلى درجة أنه بدا نادما على مقتل قادة آخرين مع المرشد الأعلى ، وقال أنه كان ينتظر التنسيق ـ على الطريقة الفنزويلية ـ مع واحد من ثلاثة قتلوا فى الهجوم على مقر المرشد ، ودون أن يذكر أى اسم ، وهو ما أظهر غياب “ترامب” الذاهل عن تفاصيل الضربة الافتتاحية الصاعقة رغم تفاخره بها ، وأن مركز القيادة فى الحدث كله كان محجوزا للقيادة “الإسرائيلية” ، التى لا تشغل بالها ببديل للنظام الإيرانى من داخله ، ولا بوجود إيران من أصله ، ولا تقبل الحلول الوسط مع أى عنصر من التظام الإيرانى الحالى ، ولا ترى سبيلا للخلاص من برامج إيران النووية والصاروخية والسياسية إلا بالخلاص من النظام كله بإصلاحييه ومحافظيه.
وقد لا يبدو من خلاف كبير على أخطاء ارتكبها ويرتكبها النظام الإيرانى ، سواء قبل الحرب الجارية أو الحرب التى سبقتها ، وما تكشف عن عمق الاختراقات الاستخباراتية ، التى سهلت نجاح عملية الاغتيالات الكبرى للقادة والعلماء النوويين فى مفتتح حرب يونيو 2025 ذات الإثنى عشر يوما ، ثم فى مفتتح الحرب الأوسع الأكثر ضراوة الجارية اليوم ، فرغم أنه لم يكن من وجه للمفاجأة هذه المرة ، فلم تتخذ أى احتياطات لحماية القادة الكبار ، ولا لحفظ أمن المرشد نفسه ، وكان واضحا لكل ذى عينين قبل ما جرى ، أن الحرب حتمية ووشيكة ، وأن الاختراقات الاستخباراتية المريعة هى نقطة الضعف الكبرى فى إيران ، إضافة لتواضع الدفاعات والقوات الجوية ، وقيل أنه تمت إجراءات لتلافى الثغرات الخطرة بعد حرب الإثنى عشر يوما ، ثم تبين فى وهج لحظة النار الكبرى ، أن الإجراءات المتخذة لم تكن كافية ولا فى موضعها ، وبما أعطى مصداقية مضافة لرواية الرئيس الإيرانى الأسبق “أحمدى نجاد” ، الذى قيل أنه قتل فى قصف لمنزله ، كان “نجاد” قد روى ذات مرة ، أن القيادة أنشأت وحدة استخبارات خاصة لتتبع واستهداف عملاء جهاز الموساد “الإسرائيلى” فى الداخل الإيرانى ، ثم تبين أن أعضاء الوحدة الحساسة بمن فيهم قائدها المختار بعناية كانوا جميعا من عملاء الموساد (!) ، والرواية تصور عمق الاختراق متعدد الأسباب فى التكوين الإيرانى وفى طبيعة النظام القائم ، غير أن خسائر الاختراق على فداحتها ، لم تحجب وجود نقاط قوة فى بنية مؤيدى النظام العقائديين ، مكنت من سحق تحركات العملاء المتنوعين فى الداخل ، ومن البدء الفورى فى حرب الصواريخ والمسيرات الإيرانية ، وإن بدت خرائط الرد العسكرى الإيرانى محملة هى الأخرى بأخطاء تقدير استراتيجية ، ظهر أخطرها فى العدوان الإيرانى المتصل على سيادة ومنشآت ومصالح بلدان عربية مجاورة ، وهو سلوك مرفوض ، قاد لخلط فى الأوراق ولتشوش يستثير قطاعات واسعة من الجمهور العربى .
إنها حرب تتسع فى الجغرافيا وتمتد فى الزمن ، وتتضح حقائقها أكثر فأكثر ، فقد قلنا قبل أسابيع طويلة ، وفى مقال نشر هنا بعنوان “مجلس حرب لا مجلس سلام” ، أن خطة الحرب وأهدافها جرى الاتفاق عليها بالكامل فى اجتماع “ترامب” و”نتنياهو” المغلق يوم 11 فبراير 2026 ، وقد استمر الاجتماع وقتها لثلاث ساعات ، ولم يصدر عنه سوى تعليق من الرئيس الأمريكى ، قال فيه أنه لم يتم الاتفاق على شئ ، وأنه يفضل سبيل التفاوض مع إيران ، ثم جرت جولات كسب الوقت فى “مسقط” ثم فى “جنيف” لمرتين ، ولم تكن إلا خداعا مفضوحا ، نخشى أن دوائر إيرانية انخدعت به ، رغم أن التحضير للحرب كان جاريا على الهواء ، ورغم تسارع وتيرة التحشيد العسكرى الأمريكى من حول إيران ، وبما وصل فى مجموعه لأكثر من نصف إجمالى قوة الجيوش الأمريكية كلها .
وفى جلسة إخطار إدارة “ترامب” للكونجرس بالحرب ضد إيران بعد أيام من تفجيرها ، اعترف “ماركو روبيو” وزير الخارجية الأمريكى بالحقيقة ، وقال ردا على أسئلة النواب المعترضين ، أن “إسرائيل” كانت قررت شن الحرب ، ووجدنا ـ أى الأمريكيون ـ أنه لا بد من المشاركة فى الضربة تخوفا من انتقام إيران وضربها للمصالح والأصول العسكرية الأمريكية فى المنطقة ، وقد حاول ترامب بعدها إرضاء لغروره أن يجرى تحويرا على اعتراف وزير خارجيته المراوغ ، وقال فى مؤتمر صحفى أعقب اجتماعه مع المستشار الألمانى “فريدريش ميريتس” ، أنه هو ـ أى “ترامب” ـ الذى طلب من “نتنياهو” مشاركة “إسرائيل” فى الحرب ، وأيا كان خلاف الألفاظ تقديما أو تأخيرا ، فإنهم نطقوا بالحقيقة التى صارت بديهية ، وهى أن الحرب الوحشية ضد إيران ، ليست فى الجوهر والمظهر سوى حرب “إسرائيلية” جرت وتجرى بجيوش أمريكية ، فالذى حدد الأهداف والخطط والوسائل وحتى التوقيت هو “نتنياهو” ، وقد قرر استخدام العضلات الأمريكية لتحقيق غايته فى إفناء القوة الإيرانية المعادية لكيان الاحتلال ، وما “ترامب” وقراراته إلا لعبة فى يد “نتنياهو” ، الذى قسم الأدوار بين قوات أمريكية تحمل علم “إسرائيل” ، وقوات أمريكية تحمل العلم الأمريكى ، وانضمت إليهما بريطانيا ضمنا ، وفيما بدا أنها حرب الغرب المنشئ للكيان ضد إيران ، وعلى مقربة أيام بعد تصريحات السفير الأمريكى عند كيان الاحتلال “مايك هاكابى” ، التى أكد فيها تأييد أمريكا التام لدعوى “وعد الرب” ، التى تمنح “إسرائيل” الحق فى بناء دولتها الكبرى من الفرات إلى النيل ، وجعل الشرق الأوسط كله “إسرائيليا” بالمحتوى والمزاج والقيادة ، وما الحرب الجارية ضد إيران إلا قفزة فى التطبيق الفعلى للدعوى الدينية المزيفة ، التى تجمع اليمين “الإسرائيلى” التوراتى واليمين الصهيونى الإنجيلى الأمريكى فى عمل ومصير واحد ، وكلاهما يحكم اليوم فى واشنطن وفى تل أبيب ، وهذا هو معنى اللحظة المواتية التى قد لا تتكرر ، ويتحدث عنها “نتنياهو” دائما ، ويجر إدارة “ترامب” من ورائه للتعجيل بتحقيق كامل الحلم الصهيونى ، وعبر حروب إفناء لن تكون حرب إيران آخرها .
ويبدو أن القيادة الإيرانية بوصايا المرشد “خامنئى” ، ورغم ارتكابها لأخطاء استعداء أطراف كان يمكن تحييدها ، يبدو أنها تدرك أن الحرب سيطول أمدها ، وقد تضاف إلى الضربات الجوية والصاروخية الأمريكية “الإسرائيلية” جوانب عدوان أخطر ، بينها بالتأكيد عمليات “كوماندوز” وقوات خاصة تستعين بمجموعات العملاء والانفصاليين على الأرض ، وقد ظهرت البوادر فى اتصالات أمريكية و”إسرائيلية” مع جماعات كردية وغيرها ، وفى أحاديث “ترامب” عن الضربة الأمريكية الكبرى التى لم تأت بعد ، مع إشارات متواترة للتجهيز لنوع ما من الغزو البرى ، فالضربات الجوية لا تكفى لتفكيك نظام كالنظام الإيرانى ، لايزال يمتلك مخزونا هائلا من الصواريخ الباليستية طويلة المدى ، كثير منها فرط صوتية وذات رؤوس انشطارية ، قادرة على إلحاق الأذى والخسائر المؤثرة بقوى العدوان الأمريكى “الإسرائيلى” ، وقد تقتصد القوات الإيرانية فى استخدام مخزونها من الأسلحة الأخطر ، وتعمد إلى إنهاك وسائط الدفاع الجوى الأمريكى “الإسرائيلى” بالمسيرات والصواريخ الأقدم ، وفتح ثغرات جوية تنفذ منها الصواريخ الإيرانية الأكثر تطورا ، والصمود إلى أطول وقت ممكن ، وبما قد يشجع على جلب مدد إضافى من الأصدقاء فى الصين وروسيا ، مع مضاعفة مشاركة حلفاء إيران فى المنطقة كالحوثيين و”حزب الله” ، وهو ما تواترت إشاراته ومظاهره بعد اغتيال الإمام “الخامنئى” بالذات ، وهو رمز دينى شيعى أعلى ، فوق كونه قائدا سياسيا للتجربة الإيرانية لقرابة أربعين سنة خلت ، وقد يسعى الكثير من مقلديه الدينيين للانتقام ، وهم بعشرات الملايين على خرائط المسلمين الشيعة ، وليس مستبعدا أن تلجأ جماعات من هؤلاء لعمليات استشهادية ضد المصالح الأمريكية و”الإسرائيلية” فى الكثير من العواصم ، وقد نكون بصدد حرب “كربلائية” تتلاحق مشاهدها الدامية ، سواء تعجل أو تأجل انتخاب خليفة “خامنئى” من خلال “مجلس خبراء القيادة” ، الذى قصف ودمر “الإسرائيليون” مبناه الفرعى فى مدينة “قم” عاصمة الحوزات الشيعية .
Kandel2002@hotmail.com

Exit mobile version