“عبد الحليم قنديل” يكتب: لن تنتصر أمريكا و”إسرائيل” ..
ahmed ibrahim
عبد الحليم قنديل
اغتيال “على لاريجانى” أمين مجلس الأمن القومى واغتيال ” غلام رضا سليمانى” قائد قوات “الباسيج” مع عدد من معاونيه ضربة مضافة للنظام ، تكشف مجددا نقطة الضعف المميتة فى التكوين الإيرانى ، ومدى عمق واتساع وشمول الاختراق الاستخباراتى فى طهران ، الذى عملت عليه أجهزة استخبارات إقليمية وغربية أولها جهاز “الموساد” “الإسرائيلى” طوال عشرات السنين ، وراح ضحية الاختراق المزمن مئات القادة العسكريين والعلماء النوويين ، وأدى فى مطلع الحرب الجارية إلى مقتل القائد الأعلى “على خامنئى” نفسه ، ثم هو يؤدى فى اليوم الثامن عشر للحرب إلى مقتل “لاريجانى” كواحد من أبرز رموز النظام ، وقد لا يستبعد أن يقود إلى اغتيال المرشد الجديد “مجتبى خامنئى” ، لكن نقطة الضعف الاستخباراتى لا تشكل وحدها صورة المشهد الإيرانى اليوم ، رغم تساندها مع نقاط ضعف أخرى ظاهرة ، أهمها التواضع الظاهر للدفاعات والقوات الجوية والبحرية ، واعتماد إيران أساسا على الأسلحة التى تصنعها بنفسها ، وأهمها صناعة المسيرات المتطورة والصواريخ بأنواعها والصواريخ الباليستية المتقدمة ، خصوصا الأنواع “الفرط صوتية” والانشطارية العنقودية ، وقد استخدمتها بذكاء وبراعة رغم انكشاف السماء الإيرانية ، والسيطرة الجوية الأمريكية “الإسرائيلية” التامة عليها ، فيما تملك إيران بالمقابل مزايا أخرى ، من نوع اتساع مساحتها الجغرافية وتنوع تضاريسها ، وإبداعها لحيل التخفى بمخزوناتها الصاروخية ومصانعها ومنصات الإطلاق ، إضافة لتسهيلات من الأصدقاء الروس والصينيين ، بعضها على ما يبدو فى التزويد بمعلومات استخباراتية حساسة ، وكلها موارد جعلت إيران على تزاحم نقاط الضعف ، تبدى صمودا مذهلا فى حرب دمرت إلى اليوم 15 ألف موقع فى بنيتها التحتية المدنية والعسكرية .
وقد لا تبدو من نهاية وشيكة للعدوان الأمريكى “الإسرائيلى” الأكثر ضراوة فى حروب المنطقة كلها ، لكن نهاية النظام الإيرانى لا تبدو واردة فى الأفق ، ليس فقط لقدرة النظام الإيرانى المتفوقة على رد الضربات ، ولا على إحلال القيادات فورا ، فوراء كل قيادة تغتال أربعة بدلاء يحلون سريعا مكانها ، وهو ما يثير تعجب وجنون الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب” ، الذى قال مرات ، أن مشكلته الكبرى فى سعيه لإنهاء الحرب ، أنه لا يعرف مع من يفاوض فى النظام الإيرانى “مقطوع الرأس” ، فيما يبدو شريكه وقائده “بنيامين نتنياهو” رئيس وزراء العدو فى أحوال غبطة وانتشاء بنجاح الاغتيالات ، ويقول متبجحا أن “إسرائيل” فى سبيلها للتحول إلى “قوة عالمية عظمى بجانب أمريكا” ، ويكرر الدعوة المستجدية للشعب الإيرانى للقيام بثورة تسقط نظاما قطعوا له رأسه ، وهذه نقطة الضعف الكبرى للعدوان الأمريكى “الإسرائيلى” ، فالإيرانيون شعب معتز بذاته ، ولا يعيرون التفاتا فى غالبهم لنداءات الأعداء فى زمن الحرب ، إضافة لتماسك بنية النظام الإيرانى ، واستناده إلى قوة شعبية لا تزال حية مؤثرة ، وهى ظاهرة جعلت الكثير من المراقبين يتوقعون ماهو أسوأ لحرب “ترامب” التى سحبه إليها “نتنياهو” ، فقد توقع “ديفيد ساكس” مسئول الذكاء الاصطناعى والعملات المشفرة بالبيت الأبيض ، أن تلجأ “إسرائيل” يأسا إلى استخدام السلاح النووى ضد إيران ، وهو ما نفاه “ترامب” علنا ، وإن كان لا أحد يثق فى تصريحات “ترامب” كالعادة .
وقبل الوصول إلى خيار الدمار النووى ، لا يبقى أمام العدوان الأمريكى “الإسرائيلى” سوى خيار الحرب البرية ، فما من مزيد يمكن أن تفعله حملات القصف الجوى ، ونظام كالنظام الإيرانى لا يسقط بنيران السماء ، مهما بلغت ضراوة الغارات بالقاذفات النووية الأمريكية ، ولا بمفاجآت الاغتيال المبرمجة ، التى لا تبلغ أهدافها فى تحريك غضب شعبى موات لأمريكا و”إسرائيل” ، ولا فى تفريغ دولاب الدولة الإيرانية ، بسبب التعقيد الفريد لتركيب النظام ، وتصميم كتلته الأصلب على خوض الحرب لآخر رجل وآخر طلقة رصاص ، وبسبب البنية الأيدلوجية الاستشهادية لقوات “الحرس الثورى” والجيش والمتطوعين وغيرهم من عوائق الصد الأساسى ، التى تجعل مغامرة النزول البرى الأمريكى “الإسرائيلى” ذات تكلفة دموية عالية ، قد لا يستطيع “ترامب” تحمل مضاعفاتها فى الداخل الأمريكى القلق المتسائل عن جدوى الحرب ، وعن السبب فى الذهاب إليها ، مع انكشاف دور التحريض “الإسرائيلى” وغياب المصالح الأمريكية الظاهرة ، ومع ارتفاع أسعار البنزين والأسمدة ، وتزايد التشققات فى جدار حزب “ترامب” الجمهورى ، وفى حركة “ماجا” الداعم الأبرز لظاهرة “ترامب” ، وتجاوز نسبة المعارضة للحرب فى الرأى العام الأمريكى لحاجز الثلثين ، وتهديد فرص أنصار “ترامب” فى الفوز بمقاعد مرضية فى انتخابات تجديد الكونجرس المقررة فى نوفمبر المقبل ، وتقويض إدعاء “ترامب” بجعل “أمريكا أولا” ، واستبداله إلى جعل “إسرائيل أولا” ، خصوصا مع تداعى آمال “ترامب” فى إعلان نصر حاسم ، والحصول على استسلام شامل من جانب النظام الإيرانى ، يبدو أقرب إلى باب الاستحالة .
ورغم ارتكاب القيادة الإيرانية لأخطاء فى التقدير السياسى ، وشن هجمات واعتداءات مدانة مرفوضة على أراضى ومنشآت مدنية فى دول عربية مجاورة ، وبصورة تعدت التركيز على ضرب القواعد الأمريكية ، وعددها يزيد على الستين فى أقطار المشرق والخليج العربيين ، إلا أن الخطة الإيرانية عموما اتبعت مبدأ توسيع المواجهة إلى أقصى حد وإطالة زمنها ، ورفع تكلفة الحرب على الإدارة الأمريكية بالذات ، ونجحت عمليا فى فرض السيادة الإيرانية الكاملة على “مضيق هرمز” ، وهو شريان إمداد العالم بأكثر من خمس المعروض العالمى من البترول والغاز الطبيعى والبتروكيماويات ، وأدى التقييد الإيرانى إلى رفع أسعار البترول ، وإحراج إدارة “ترامب” ، التى حاولت الزج بدول أوروبية وآسيوية فى الحرب ، ودون تحقيق نجاح فى تكوين ما أسمى “تحالف هرمز” ، الذى امتنعت دول حلف “الناتو” الأبرز عن المشاركة فيه ، ودعا بعضها ـ كفرنسا ـ إلى وقف الحرب أولا ، فيما لجأت “الهند” إلى تفاوض وتفاهم مع السلطات الإيرانية ، بينما استثمرت “الصين” الفرصة ، ورفضت تلبية رغبة “ترامب” ، الذى اندفع غاضبا للتنديد بشركائه فى حلف “الناتو” وخذلانهم لحرب أمريكا ضد إيران ، فى الوقت الذى يهدد فيه “ترامب” بالاستيلاء على “هرمز” وجزيرة “خارك” عاصمة تصدير البترول الإيرانى ، وإن فعلها ، فقد تندلع شرارة المواجهات البرية من “خارك” ، أو من نحو ثلاثين جزيرة تحوزها إيران فى الخليج العربى ، أو قد يلجأ “ترامب” عسكريا إلى الاستعانة بفرق “المارينز” ، أو بالقوات الأمريكية الخاصة المحتشدة فى دول شمال إيران ، وينضم مع “الإسرائيليين” فى عمليات “كوماندوز” تستعين بالعملاء فى الداخل الإيرانى ، وبدعوى البحث عن مئات كيلوجرامات اليورانيوم الإيرانى المخصب بنسبة تفوق الستين بالمئة ، أو بجلب قوات انفصالية كردية أو بلوشية “إيرانية” إلى عمليات غزو برى ، تبدو “إسرائيل” أكثر حماسا لها ، وقد تجر إليها القوات الأمريكية ، وكلها خيارات يفترض أنها موضع انتظار واستعداد من الجانب الإيرانى .
وعلى خط المواجهة المباشرة مع كيان الاحتلال “الإسرائيلى” ، زادت قوة الضربات الصاروخية الإيرانية بالتنسيق مع ضربات “حزب الله” من لبنان ، وفى سياق حرب استنزاف ، يستعيد فيها “حزب الله” تألقه المقاوم الأول ، رغم كثافة الضربات والغارات الإسرائيلية ، واقتراب عدد الشهداء اللبنانيين إلى الألف ، وزيادة عدد النازحين من الجنوب إلى ما فوق المليون ، وكلها تضحيات تتحمل بيئة المقاومة أغلبها دونما تذمر ، بينما تبدى جبهة المقاومة الممتدة من طهران إلى لبنان صمودا متصلا ، ويبدع “حزب الله” بالذات فى صياغة طرق مقاومة مختلفة دفاعا عن أرض لبنان ودعما لإيران فى الوقت ذاته ، ويعود إلى تكتيكات حرب العصابات فى جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة ، ويقاتل رجاله على الأرض حشودا “إسرائيلية” تتجاوز المئة ألف جندى ، ويواصلون ملاحم تدمير دبابات “الميركافا” وقنص قوات العدو الزاحفة لغزو لبنان ، فيما تطور وحداته الصاروخية فى نوعية قذائفها الإيرانية المنشأ والتكنولوجيا ، وتمطر كيان الاحتلال بموجات “العصف المأكول” الصاروخية ، ومن بعدها موجات “خيبر” الأعنف .
والخلاصة أن نتائج الحرب لاتزال فى ميادينها ، رغم حرص العدو الأمريكى “الإسرائيلى” على التكتم فى إعلان خسائره ، فيما يبدى الجانب المقاوم صلابة تحمل فائقة ، هى من طبع الإيمان بالقضية وعدالتها ، ومن مخزون الطاقة الاستشهادية التى لا تنفد ، ورغم توقع أى ضربات معادية مضافة ، ومهما كانت ضراوتها ، إلا أن هذا النوع من الحروب وبينها الحرب الجارية ، التى ذهبت إليها أمريكا بكل جيوشها بما فيها الجيش “الإسرائيلى” ، ولا تنطوى على أدنى درجات التكافؤ فى موازين السلاح ، هى ذروة الحروب غير المتناظرة فى نوع ولا فى قدرات أطرافها ، وقد دارت مثل هذه الحروب فى منطقتنا على مدى الثلاثين شهرا الأخيرة ، وكانت نتائجها كما تكررت ، أن الطرف الذى يبدو أقوى لا ينتصر ولا يحقق أهدافه ، بينما الطرف الآخر المقاوم لا ينهزم ولا يخرج من الحلبة ، وهكذا كان ويكون بإذن الله .
To provide the best experiences, we use technologies like cookies to store and/or access device information. Consenting to these technologies will allow us to process data such as browsing behavior or unique IDs on this site. Not consenting or withdrawing consent, may adversely affect certain features and functions.