“عبدالحليم قنديل” يكتب: لن تسقط إيران بالحرب المحتومة ..
الكاتب الصحفي د عبد الحليم قنديل
قد يكون مفهوما أن تسعى طهران لتجاوب ما مع فرصة مفاوضات أخيرة تجمعها بواشنطن ، ربما على سبيل تبرئة الذمة أمام النفس ، وبذل جهد دبلوماسى مضاف لمحاولة تجنب الضربة الأمريكية “الإسرائيلية” المقررة حتما ، لكن إيران تعرف ربما قبل وبعد غيرها ، أن الأمانى بالخصوص تظل معلقة فى الهواء ، وأن الحقائق تظل سارية إلى غاياتها ، وأن حشدا عسكريا هائلا ، كالذى تواصله واشنطن بالقرب من إيران ، كل هذه الطاقة الحربية الفوارة بالنيران ، لابد لها من تفريغ فى ميدان ، ولو افترضنا ـ جدلا ـ أن تقدما ما حدث فى قضية البرنامج النووى الإيرانى على ما يشاع ، فلن يكون ذلك كافيا لتجنب الحرب ، خصوصا مع سقوط أوراق التوت الذابلة على وجه الحملة الأمريكية الحالية ضد إيران ، فقد ادعى الأمريكيون فى البداية ، أنهم ذاهبون لنصرة المتظاهرين ضد قمع السلطة الإيرانية الحاكمة ، ثم اختفت هذه القصة تماما من أحاديث الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب” الذى لا يغلق فمه ، بعد أن قال أن النظام الإيرانى توقف تماما عن إعدام المعارضين ، وقفزت إلى السطح ذات المسائل القديمة الجديدة ، وأولها مسح وجود البرنامج النووى الإيرانى ، وليس فقط وقف تخصيب اليورانيوم إلى حد التصفير ، وتسليم مئات الكيلوجرامات من اليورانيوم المخصب بنسبة تفوق الستين بالمئة ، ثم الحد من البرنامج الصاروخى الإيرانى ، وربما تسليم وتدمير الصواريخ الباليستية التى يطول مداها كيان الاحتلال “الإسرائيلى” ، ثم التوقف عن أى دعم أو تواصل مع الجماعات العربية الحليفة لإيران ، وأهمها جماعة “الحوثيين” فى اليمن ، وجماعة “حزب الله” فى لبنان وجماعات ولائية فى العراق ، إضافة لجماعات المقاومة الفلسطينية طبعا ، وكلها ـ كما ترى ـ مطالب تعجيزية ، قد يعنى مجرد بحثها ، أو القبول بعناوينها فى أى تفاوض ، أن النظام الإيرانى قرر أن ينتحر طوعا تجنبا لخطر النحر الحربى .
وربما لا يتوقع عاقل أن تمضى أى مفاوضات إلى غاياتها الأمريكية “الإسرائيلية” المعلنة ، فالنظام الإيرانى رغم مآزقه السياسية والاقتصادية بالذات ، لا يريد من قصص التفاوض إلا تفكيك الضغوط الخارجية والإقليمية بالذات ، وربما كسب أكثر لوقت الاستعداد الحربى ، وهو عين ما يفعله الأمريكيون و”الإسرائيليون” معهم ، وربما تكون هذه هى نقطة الاتفاق الضمنية الوحيدة فى المشهد المنظور ، و”إسرائيل” هى القوة المحركة الأساسية لخطط واشنطن ، ليس فقط بنوعية وكثافة التحركات العسكرية “الإسرائيلية” الذاهبة إلى واشنطن ، التى شملت قادة جيش الاحتلال وأجهزة مخابراته ، والسعى لاستثمار حماقات “ترامب” وميوله الاستعراضية ، ودفع “البنتاجون” لجلب نحو نصف إجمالى قواته وغواصاته وصواريخه ومدمراته وحاملات طائراته إلى المنطقة ، وبهدف مزدوج ، هو حماية كيان الاحتلال من ضربات إيرانية واردة ، وتوجيه ضربة أمريكية مزلزلة إلى إيران ، وبدعوى أولوية استئصال النظام الإيرانى ، وهو هدف يبدو أكبر من قدرات الأمريكيين و”الإسرائيليين” معا فى هذه اللحظة بالذات ، فقد لا يكون من جدال فى امتياز القوة الأمريكية عالميا ، وفى قدرتها على التحطيم والتدمير ، وتنفيذ تكتيكات الصدمة والرعب ، لكن هذا كله يبدو بغير نتيجة مؤكدة فى إسقاط النظام ، حتى لو جرى ـ جدلا ـ اغتيال “على خامنئى” القائد الأعلى للنظام الإيرانى الحالى ، أو شن عمليات “كوماندوز” خاطفة استنادا لشبكة واسعة من العملاء المسلحين فى الداخل الإيرانى .
والنظام الإيرانى فى هذه اللحظة بين واحد من مصيرين ، إما أن يتجاوب مع الإملاءات الأمريكية “الإسرائيلية” ، وينزع كامل سلاحه بالتفاوض ، وهو ما يبدو مستبعدا ، فوق كونه متناقضا مع طبيعة النظام نفسه ، التى تدفعه إلى تفضيل خيار المواجهة الحربية على إهانة وإذلال التفاوض العبثى المطروح ، وهو ما تذهب إليه الأمور فعليا ، إن لم تكن ذهبت من زمن ، تواترت فيه عمليات التحرش العنيف ، على طريقة إسقاط طائرة “إف ـ 35 ” أمريكية لطائرة مسيرة إيرانية ، قال الإيرانيون أن الاتصال انقطع بها بينما كانت فى رحلة مراقبة واستطلاع للأساطيل وحاملة الطائرات الأمريكية “أبراهام لينكولن” فى عرض البحر ، وجرت قبلها سلسلة انفجارات غامضة فى عدد من المواقع والمدن الإيرانية ، مع حوادث اقتراب زوارق إيرانية من سفن أمريكية عند مدخل الخليج ، وكلها إشارات صغيرة تومئ للحرب الأوسع ، التى قد يكون أخطر ما فيها جويا ، محاولة أمريكا و”إسرائيل” فرض سيادة مطلقة على الأجواء الإيرانية ، وعلى طريقة ما جرى فى مفتتح حرب يونيو 2025 ذات الإثنى عشر يوما ، التى استفاقت فيها إيران سريعا بعد صدمة اغتيالات الجنرالات والعلماء ، ونفذت ردا متقنا مؤثرا ، أوجع كيان الاحتلال بالضربات الصاروخية الكبرى ، ودفع “ترامب” وقتها بعد تنفيذ عمليته “مطرقة منتصف الليل” إلى التجاوب مع طلب “إسرائيلى” عاجل بوقف إطلاق النار ، وهو ما يسعى الأمريكيون و”الإسرائيليون” إلى توقيه هذه المرة ، عبر توفير حماية دفاعية أشمل للكيان ، بحاملة الطائرات الأمريكية “روزفلت” فى البحر المتوسط ، وبزاد أوسع من بطاريات صواريخ “باتريوت” و”ثاد” على الأرض أو على مدمرات قرب ميناء “إيلات” ، وقد جرت مؤخرا مناورة بحرية ملفتة بين الجيش الأمريكى وجيش الكيان ، إضافة لتزويد الكيان بصفقة أسلحة مستعجلة ، تصل قيمتها إلى نحو 7 مليارات دولار .
وفى المقابل ، سعت إيران إلى مزيد من تحصين الأجواء ، عبر إمدادات صينية عاجلة من الرادارات وصواريخ الدفاع الجوى ، إضافة إلى إمدادات روسية من الوسائل الجوية عموما ، فوق الاستفادة من دروس الحرب السابقة ، وإدخال نظم تشويش واتصالات أحدث ، وإحكام إخفاء وتوزيع منصات الصواريخ على خرائط جديدة ، والمزج المحسوب بين عقائد الدفاع وأساليب الهجوم ، فقد يكون للطرف الأمريكى “الإسرائيلى” غلبة ظاهرة فى طاقة نيران الميدان ، لكن فوارق التحمل تبدو ظاهرة لصالح إيران ، والحرب فى جملتها ربما تكون حربا غير متناظرة ، خصوصا إذا تحولت إلى صدام إقليمى مفتوح ، تدخل فيه جماعات التحالف الإيرانى على نحو جدى أوسع ، وقد أعلنت جماعة “الحوثى” رسميا ، أنها ستدخل الحرب مناصرة لإيران ، ربما على نحو أكثر قطعية مما أعلنه “حزب الله” ، وجماعة “الحوثى” ـ أيا ما كان الرأى فى سياستها اليمنية الداخلية ، أثبتت تفوقا عسكريا فى شن الهجمات الصاروخية على الكيان ، وفى مواجهات البحر مع الأمريكيين وحاملات طائراتهم ، واضطرت إدارة “جو بايدن” ومن بعدها إدارة “ترامب” ، إلى وقف القصف الأعمى للأراضى اليمنية ، فى حين لم يتوقف “الحوثى” عن قصف “إسرائيل” حتى إعلان وقف إطلاق النار فى “غزة” ، الذى انخفضت بعده معدلات حرب الإبادة الجماعية فى “غزة” ، لكنها لم تتوقف أبدا ، بل زادت وتيرتها مؤخرا ، وبلغ عدد الشهداء الجدد فى “غزة” إلى نحو الستمائة غالبهم من النساء والأطفال ، وهو ما يجرى مثله وأعنف فى لبنان ، رغم إعلان وقف النار قبل “غزة” بعام وأكثر ، والهدف المعلن للأمريكيين و”الإسرائيليين” فى لبنان كما فى فلسطين ، هو نزع سلاح المقاومة كليا ، تماما كما يطالبون الآن بنزع سلاح إيران السند الوحيد لجماعات المقاومة فى المنطقة .
وقد لا يكون من معنى لإجراء مقارنات نوعية أو كمية بين ما يملكه الحلف الأمريكى “الإسرائيلى” من سلاح وتكنولوجيا حربية ومخابراتية ، وبين ما يحوزه الحلف الإيرانى وجماعاته ، حتى مع احتساب الدعم الصينى والروسى المحسوس أكثر هذه المرة ، فالكفة راجحة بما لا يقاس لحساب العدو الأمريكى “الإسرائيلى” ، لكن النتائج لا تبدو مؤكدة لصالحه بالضرورة ، والنظام الإيرانى لن يسقط غالبا ، ليس فقط بسبب تخوف ـ ربما ذعر ـ الأمريكيين و”الإسرائيليين” من خوض حرب برية ممتدة فى الداخل الإيرانى ، بل أيضا بسبب الطبيعة غير المتناظرة للحرب نفسها ، تماما كما جرى عليه الأمر فى جولات سابقة ، أعلن فيها الأمريكيون و”الإسرائيليون” عن فوز ساحق ، لكن حقائق الميدان عادت لتؤكد نفسها ، فقد أفرط العدو الأمريكى “الإسرائيلى” فى القتل والتدمير والإبادة ، لكنه لم يحقق أبدا نصرا حاسما مطلقا ، ولم يصل أبدا إلى الأهداف التى رسمها ، وها هو يحاول من جديد ، ربما لإدراكه المستعاد أن الحروب غير منتهية ، وأن حلف المقاومة يعيد بناء ذاته رغم الظروف الدولية والإقليمية المعاكسة ، ويستأنف الصدام الحربى ، بينما لا يدرك العدو طبيعة الحروب الاستشهادية الساعية لاكتساب ما تيسر من التكنولوجيا الحربية المضافة ، فبوسعها دائما أن تنهض من رماد ، وأن تتحدى طغيان السلاح والتكنولوجيا ، وأن تقاوم بما تملك من حق وتصميم عليه ، وكاتب هذه السطور ليس خبيرا عسكريا ولا يدعى ، وأن كنت أدعى أن إيران لن تسقط هذه المرة أيضا ولا جماعات المقاومة الحليفة ، ومهما بلغت الحرب من ضراوة وتدمير ورعب وحرائق الجحيم .