مقالات وأراء
لواء دكتور “سمير فرج” يكتب: السبت العاشر من رمضان ..

يمر شهر رمضان دائمًا في حياتي وتحمل معي ذكريات عديدة في ذاكرتي لا أنساها، تبدأ من أيام طفولتي في “بورسعيد”، والتي تحمل العديد من الذكريات الجميلة، حيث كان لمدينة بورسعيد طقوس خاصة تحتفل بها في شهر رمضان تختلف عن أي مدينة أخرى في مصر.
كذلك تأتي معها ذكرى أول معركة عسكرية أخوضها في حياتي، وأنا عمري سبعة عشر عامًا ونصف، وكانت في شهر رمضان، وفوق سفوح جبال “اليمن”، بعد أن استوليت على أحد الجبال وأنا قائد فصيلة مشاة، ومعي حوالي أربعين جنديًا بالأسلحة المعاونة.
وحيث تم حصارنا في اليوم الثاني، ووقعنا أنا وجنودي في حصار لمدة أربعة أيام حتى تم فك الحصار.
وكنا في شهر رمضان، لذلك كان السحور والإفطار هو الزبيب المنقوع في الماء، الذي حصلنا عليه من إحدى القرى أسفل الجبل، ونحن محاصرون.
أما الذكريات الجميلة الأخرى في شهر رمضان المبارك، فكانت يوم “العاشر من رمضان – السادس من أكتوبر 1973″، يومًا بدأت فيه القوات المصرية اقتحام قناة السويس، وتدمير خط بارليف، لاستعادة الأرض والكرامة.
كنت في ذلك اليوم أحد ضباط هيئة العمليات، وبرتبة رائد، وقبل بدء الحرب بعدة أيام تم فتح مركز العمليات التي سوف تدار منه الحرب، وجاء الحظ لأكون أنا من ضباط غرفة العمليات الرئيسية، التي يتواجد فيها الرئيس “أنور السادات”، والمشير “أحمد إسماعيل”، والفريق “سعد الدين الشاذلي”، واللواء “محمد عبد الغني الجمسي”، وأنا موجود أمامهم، ومهمتي رسم موقف العمليات على الخريطة الرئيسية، لغرفة العمليات وأتذكر هذا اليوم جيدًا.
في حوالي الساعة الثانية عشرة ظهرًا، وصل الرئيس الراحل “أنور السادات” مرتديًا زيه العسكري، يخلفه عدد من الجنود يحملون صواني رُصّت عليها الشطائر والعصائر. ولأن اليوم تزامن مع العاشر من رمضان، أمسك السيد الرئيس بالميكروفون، قائلًا:
“إحنا في رمضان، وقد أفاد المفتي أننا في جهاد لتحرير الأرض المغتصبة، وعليه فقد أجاز الإفطار في نهار رمضان.”
ووجّه بإبلاغ كل قواتنا وأولادنا على جبهة القتال في “سيناء” بتلك الفتوى، بينما كان الجنود يمرون لتوزيع الشطائر، التي وضعناها جميعًا في الأدراج، ويشهد الله أننا لم نتناول إلا الماء، عندما حان موعد آذان المغرب، وهو ما فعله الجميع على جبهة القتال.
ولا أخفيكم سرًا أنني، وغيري، لم نكن متوقعين بدء الهجوم؛ فهل سنشهد ذلك اليوم فعلًا بعد ست سنوات من حرب الاستنزاف؟ وهل سيتحقق الأمل ونهزم العدو الإسرائيلي المتغطرس؟! ولم نتأكد إلا في الساعة الثانية ظهرًا، عندما تابعنا على شاشات الرادار عبور مئتين وعشرين طائرة مصرية لقناة السويس، وتنفيذ الضربة الجوية ضد الأهداف الإسرائيلية في سيناء.
بعدها بدأ العبور، وتوالت وصول واستلام أجمل الإشارات عن عبور موجات العبور، وسقوط نقاط خط بارليف واحدة تلو الأخرى. وأتذكر في الرابعة عصرًا، بينما أنا في الغرفة الرئيسية مشغول بخريطة العمل، أن نادى عليّ الرئيس السادات، قائلًا:
“يا ابني، الخساير كام لحد دلوقتي؟”
وكانت المفاجأة، بعد حصر الأرقام الواردة من الجيشين الثاني والثالث، أن الرقم لا يُذكر، ولا يُقارن حتى بخسائرنا في أيام التدريب على العبور في نهر النيل، لأن قواتنا كانت قد وصلت إلى درجة عالية من الاحترافية.
وأتذكر كذلك أنه في الساعة الثالثة، أي بعد ساعة من الضربة الجوية، رأيت اللواء الجمسي، رئيس العمليات آنذاك، يقوم من مكانه ممسكًا بورقة، ناولها للفريق الشاذلي، رئيس الأركان حينها، ثم قاما سويًا إلى المشير أحمد إسماعيل، وزير الحربية، الذي أخذ منهما الورقة واطّلع عليها، قبل أن يتوجه إلى الرئيس السادات، ويطلب منه الاجتماع معه في غرفة صغيرة خارج المركز.




