مقالات وأراء

“عبدالحليم قنديل” يكتب: معنى الفوز الفلسطينى فى انتخابات “إسرائيل” .. 

الأرض الفلسطينية تستعيد حاسة النطق العربى من جديد ..

    ما من مفاجأة لافتة ـ ربما مفرحة ـ فى الانتخابات “الإسرائيلية” الأخيرة ، سوى الفوز غير المسبوق لممثلى الفلسطينيين فى الداخل “الإسرائيلى” ، الذين يعرفون أحيانا بصفتهم “عرب 48” ، وهم الفلسطينيون الذين لم يتركوا ديارهم فى نكبة 1948 ، وصاروا يشكلون اليوم أزيد قليلا على خمس مجموع سكان كيان الاحتلال ، وغالبيتهم الساحقة لا تذهب إلى التجنيد فى صفوف جيش الاحتلال ، وقد فرضت عليهم الهويات وجوازات السفر “الإسرائيلية” ، ويجرى التضييق عليهم فى شتى مناحى الحياة ، وصمدوا فى معارك التمسك بالبقاء على أراضيهم التاريخية ، وارتبط بكفاحهم المستميت “يوم الأرض” الفلسطينى فى 30 مارس من كل عام ، ذكرى ارتقاء شهداء الداخل الفلسطينى فى انتفاضة وإضراب مارس 1976 ، وكتب عنها شاعر فلسطين الأعظم الراحل “محمود درويش” قصيدة بعنوان “الأرض” ، خلد فيها ذكر الشهداء ، وأولهم “خديجة شواهنة” ، التى كانت وقتها أول من قتل برصاص جيش الاحتلال ، كتب “درويش” وقتها “أنا الأرض / والأرض أنت/ خديجة لا تغلقى الباب/ لا تدخلى فى الغياب/ سنطردهم من إناء الزهور وحبل الغسيل/ سنطردهم عن حجارة هذا الطريق الطويل/ سنطردهم من هواء الجليل” ، وكانت أولى الحركات السياسية بين الفلسطينيين فى الداخل هى “حركة الأرض” القومية العربية ، وقد حظرتها سلطات الاحتلال عام 1964 ، وظهرت بعدها حركات سياسية متنوعة لمجتمع فلسطينى أسير ، اغتنم أبناؤه الفرص القليلة المتاحة فى التعليم بالذات ، وحققوا نبوغا يفوق أقرانهم من أبناء اليهود المستجلبين لاغتصاب الأرض المقدسة ، وبالذات فى مهن الأطباء والمحامين والتمريض ، وبنسب فاقت كثيرا نسبة تعدادهم إلى إجمالى السكان .

    ولا تزال قطاعات من أهل الداخل الفلسطينى ترفض المشاركة فى انتخابات الكنيست “الإسرائيلى” ، لكن قطاعات نامية بينهم ، قررت المشاركة فى انتخابات “الكنيست” (البرلمان الإسرائيلى) ، بينها قطاعات يسارية وقومية ، تؤلف ما يعرف اليوم باسم “القائمة المشتركة” ، وأخرى من جذور إسلامية و”إخوانية” ، تؤلف ما يعرف باسم “القائمة الموحدة” ، ويرفض نواب “القائمة المشتركة” المشاركة فى أى حكومة “إسرائيلية” صهيونية ، بينما لا تمانع “الموحدة” شبه الإخوانية ، وقد شاركت لوقت فى حكومة اليمينى الصهيونى “نفتالى بينيت” ، الذى انتقل فى الانتخابات الأخيرة إلى ما يسمى “معسكر التغيير” المناوئ لمعسكر “بنيامين نتنياهو” ، ولم يحصل أيا من المعسكرين على أغلبية المقاعد فى الكنيست ، فى حين حصلت القائمتان العربيتان الفلسطينيتان على عدد غير مسبوق من المقاعد ، فاقت كل ما حصلت عليه سابقا ، وتراوحت الأرقام فى النتائج الأولية المعلنة ـ حتى كتابة هذه السطور ـ بين 16و17و18و19 مقعدا ، وهو ما يفوق أكبر رقم حصلت عليه من قبل ، وهو 15 عضوا عربيا فلسطينيا فى انتخابات “الكنيست” عام 2020 .

    وأيا ما كانت صورة حكومة الاحتلال المقبلة ، وسواء عادت إلى “نتنياهو” رئيس الوزراء الحالى ، أو آلت إلى ما يسمى معسكر التغيير أو معسكر الجنرال “جادى آيزنكوت” ، فما من فارق جوهرى يذكر ، فنحن بصدد يمين ينافس يمينا أكثر شراسة وإجراما وعنصرية وعدوانية ، وقد خدم “آيزنكوت” نفسه كرئيس أركان لجيش الاحتلال فى ظل حكومة سبقت لنتنياهو نفسه ، وما من استثناء نسبى محدود فى “معسكر آيزنكوت” ، سوى لحزب “الديمقراطيين” الذى يقوده الجنرال “يائير جولان” ، وهو ائتلاف يضم بقايا “حزب العمل” وحركة “ميريتس” اليسارية ، ويتحدث أحيانا عن تفاهم ما مع الفلسطينيين ، أما الباقون بمن فيهم “آيزنكوت” ، فهم يعارضون شخص “نتنياهو” وليس سياساته ، ويرفضون من حيث المبدأ إقامة أى كيان فلسطينى فى “غزة” والضفة الغربية ، وهم فى قلب الإجماع الصهيونى على تكثيف الاستيطان و”يهودية” الكيان “الإسرائيلى” ، وتحريم وتجريم الاستعانة بالأحزاب والقوائم العربية الفلسطينية فى الداخل ، إلا إذا قبلوا مبدأ “يهودية الدولة” ، وبما أسماه “آيزنكوت” نفسه “تفكيك حركة حماس” فى “غزة” ، وهو ما ترفضه “القائمة المشتركة” قطعيا ، وإن أبدت “القائمة الموحدة” شبه الإخوانية ـ بزعامة “منصور عباس” ـ تجاوبا مريبا معه .

    والمعنى ببساطة ، أن نتائج الانتخابات الأخيرة قد تكون هزت عرش “نتنياهو” ، الذى دخل التاريخ الصهيونى كأطول رئيس وزراء عمرا فى منصبه ، لكنها لم تحجب نهائيا فرصه فى استئناف الحكم ، سواء بالاستمرار لشهور رئيسا لحكومة تصريف أعمال ، أو بشق معسكر “آيزنكوت” الموصوف من قبل أنصار “نتنياهو” العنصريين بالقرد بسبب أصوله المغربية ، أو بتشكيل حكومة وحدة صهيونية تحت شعاره الانتخابى “اليمين أو فلسطين” ، أو حتى باللجوء إلى انتخابات أخرى مبكرة بعد شهور ، وكلها مصائر قد تعنى شيئا عند الناخبين الصهاينة ، وخلافاتهم البينية الداخلية بين الاتجاهات العلمانية والدينية التوراتية ، لكنها لا تعنى أى شئ عند الفلسطينيين والعرب عموما ، فاستبدال أسماء المجرمين فى الواجهات الحكومية “الإسرائيلية” ، لا يعنى أبدا سقوط الإجرام ولا انتفاء الجريمة الأصلية المتصلة ، ولا يعنى ذلك عدم الاهتمام بما يجرى فى كيان الاحتلال ، ولا فرض أى نوع من الوصاية على وجهات نظر وعمل الفلسطينيين فى الداخل “الإسرائيلى” ، فهم أدرى بشعابهم ، وما من مجال لمزايدة على قياداتهم فى “القائمة المشتركة” بالذات ، وقد حصلت على ثلثى أصوات الفلسطينيين فى الداخل ، الذين استجابوا لنداءات قيادات “القائمة المشتركة” ، وأقبلوا على صناديق التصويت بنسبة فاقت الثمانين بالمئة ، وأثبتوا حضورهم العفى على رقعة العمل الفلسطينى الواسع ، الموزع بين ملايين الفلسطينيين فى شتات اللجوء ، إضافة لملايين الفلسطينيين فى “غزة” و”الضفة” و”القدس” المحتلة ، مع الفلسطينيين فى الداخل ، وأعدادهم تجاوز المليونين ، وهم قطاع فلسطينى غاية فى الحيوية والتأثير ، غير أن أوضاعهم تتأثر كثيرا بالخلل الراهن فى قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية بعامة ، وقد زاد إندماجهم فى الهم الفلسطينى خلال ربع القرن الأخير مع الانتفاضات الفلسطينية الأحدث ، وبرز سلوكهم الكفاحى فى الرباط دفاعا عن القدس والمسجد الأقصى المبارك ، وبما دفع حكومة الاحتلال إلى الاستدارة إليهم مجددا بسلب الأراضى والممتلكات الخاصة ، وتنفيذ خطط استيطان وتهجير للفلسطينيين فى “الجليل” و”النقب” ، تماما كما يجرى مع تكثيف الاستيطان و”التهويد” فى “القدس” و”الضفة” و”غزة” .

   وفى زمن حكومات الإبادة الجماعية “الإسرائيلية” ، فلا حل سوى أن ينهى المعنيون انقساماتهم فى قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية ، ورد الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية كإطار وطنى جامع ، وتجديد شباب القيادة ، وبلورة واستنهاض طاقات الشعب الفلسطينى ، وهو أكثر شعوب الأمة العربية تعليما وحيوية ، وقد خلقته النكبات والمحن خلقا جديدا ، وتزايد حضور قضية الحق والتحرير الفلسطينى فى أوساط الرأى العام العالمى ، بعد ماجرى فى محنة “غزة” وصمودها المذهل ، بينما بدا الحضور مغيبا عند الرأى العام العربى ، ولأسباب مفهومة فى طبائع نظم الحكم الاستبدادية السائدة ، التى تمضى فى عكس الاتجاه العالمى ، وتمعن فى رذائل التطبيع ، بل التحالف مع كيان الاحتلال عبر اتفاقات “أبراهام” وسواها ، ويراد للعدوى “الإسرائيلية” ذاتها ، أن تغزو صفوف الداخل الفلسطينى نفسه ، وأن تصبح السيادة للرواية والسردية “الإسرائيلية” ، التى تتداعى تأثيراتها فى عواصم الغرب ، بينما تبدو منتعشة فى عواصم العرب للأسف ، ويراد للقيادة الفلسطينية ذاتها ، أن تتحول إلى المزاج “العكر” المستشرى فى قصور الحكم العربية بعامة .

    وفى المحصلة الراهنة ، فإنه ما من فارق جوهرى بين حكومة يعيد “نتنياهو” تشكيلها ، أو حكومة يريد “آيزنكوت” الذهاب إليها ، فكلاهما أسوأ من الآخر ، فيما يخص الفلسطينيين والعرب عموما ، لكن صحوة التصويت الواسع فى أوساط الفلسطينيين بالداخل ، تعطى فى كل الأحوال مددا مضافا لحيوية العمل والكفاح الجمعى للشعب الفلسطينى ، ربما بشرط الإصلاح الجوهرى للخلل فى قيادة العمل الفلسطينى الجامع ، وبعث “منظمة التحرير” من رقادها الطويل ، وضم حركتى “حماس” و”الجهاد الإسلامى” إليها ، والخروج من دوامة الحوارات المريضة “اللولبية” التى تجرى بين الحين والآخر ، وتغليب منطق المقاومة على اختلاف صورها وأشكالها ، سواء فى “غزة” أو “الضفة” أو فى الداخل الفلسطينى ، ولكل قطاع فلسطينى ظروفه الملموسة ، مع الثقة فى بلوغ النصر والتحرير ، ولو بعد حين قد يطول ، لكن انتفاضة الفلسطينيين بالداخل تبشر بالأمل ، حتى لو بدت فى صورة إقبال كثيف على صناديق التصويت ، وإبراز تماسك وطنى يستعصى على “الأسرلة” و”الصهينة” والإخضاع ، وقد لا يكون حقق كامل هدفه فى قطع الطريق على مجرم الحرب “نتنياهو” وصحبه الأشد إجراما ودموية ، لكنه هز عرش اليمين الصهيونى ، وأثبت أن الأرض الفلسطينية تستعيد حاسة النطق العربى من جديد ، وفى كامل أرض فلسطين من نهر الأردن إلى شواطئ البحر المتوسط ، وقد كان أسمها فلسطين ، وصار اسمها فلسطين ، و”على هذه الأرض ما يستحق الحياة” كما قال “محمود درويش” ذات يوم بعيد يصير قريبا .

Kandel2002@hotmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
Verified by MonsterInsights