مقالات وأراء

“أحمد إبراهيم” يكتب : لماذا لا نقرأ ..!!

إقرأ كلمة قليلة في عدد حروفها، لكنها قادرة على أن تغيّر تاريخ الإنسان كله.

ومن بين كل كلمات اللغة العربية، كلمة واحدة اختارها الوحي لتكون فاتحة الرسالة وأول أمر رباني علي لسان جبريل الأمين لخاتم الأنبياء والمرسلين أنها كلمة ﴿اقْرَأْ﴾

فالرسالة النبوية الشريفة لم تبدأ بكلمة تدعو إلى القوة، ولا إلى المال، ولا إلى السلطة، ولا إلى الصراع، وإنما بدأت بدعوة إلى فعل يبدو بسيطاً، لكنه في جوهره فعل تأسيس وبناء: أنه القراءة ..

ومن هنا يحق لنا أن نتوقف أمام سؤال لا ينبغي أن يمرّ عابراً:

كيف لأمة كان أول خطابها السماوي «اقرأ» أن تصبح القراءة فيها فعلاً هامشياً؟

إنه سؤال يتجاوز الكتاب والمكتبة والوقت؛ إنه سؤال عن علاقتنا بالعقل، وعن موقفنا من المعرفة، وعن الطريقة التي نبني بها الإنسان داخلنا.

1. «اقرأ»… بداية الإنسان الواعي ..

القراءة ليست مجرد معرفة الحروف والكلمات، وإلا لكان الأمر مجرد مهارة لغوية.

إنها في معناها الأعمق دعوة إلى الفهم

أن تقرأ يعني أن تبحث عما وراء الظاهر، وأن تسأل قبل أن تصدق، وأن تفهم قبل أن تحكم، وأن تمنح عقلك فرصة لكي يرى العالم من أكثر من نافذة.

ولهذا ارتبطت القراءة في أول خطاب بالخلق:

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾

فالإنسان الذي يقرأ لا يضيف معلومات إلى ذاكرته فقط؛ إنه يعيد تشكيل نظرته إلى الحياة.

كل كتاب حقيقي يترك في العقل نافذة جديدة، وكل فكرة عميقة تزيح شيئاً من ضيق الرؤية.

2. مشكلتنا ليست قلة المعلومات… بل قلة العمق

نحن نعيش في أكثر العصور وفرة بالمعلومات.

المعلومة التي كان الإنسان يحتاج إلى أيام للعثور عليها أصبحت في متناول يده خلال ثوانٍ.

ومع ذلك، لم يصبح الإنسان بالضرورة أكثر حكمة.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى.

لقد أصبحنا نملك معلومات أكثر، وتركيزاً أقل؛ محتوى أكثر، وتأملاً أقل؛ اتصالاً أكثر، وحواراً أعمق أقل.

نحن نعرف أخبار العالم لحظة وقوعها، لكننا قد لا نعرف شيئاً عميقاً عن أنفسنا.

نعرف ماذا قال الآخرون، لكننا لا نتوقف دائماً لنسأل: ماذا أعتقد أنا؟ ولماذا؟

المشكلة إذن ليست في غياب المعرفة، وإنما في عدم منح المعرفة الوقت الكافي حتى تتحول إلى وعي.

3. لماذا أصبحت القراءة ثقيلة؟

لأننا درّبنا عقولنا على السرعة.

المقطع القصير، والصورة السريعة، والخبر العاجل، والإشعار المتكرر، كلها جعلت العقل معتاداً على الانتقال المستمر.

أما الكتاب فيطلب العكس تماماً.

يطلب منك أن تبقى.

أن تصبر.

أن تتأنى.

أن تعود إلى الفقرة.

أن تفكر في جملة واحدة.

أن تسمح للفكرة بأن تنضج داخلك.

ولهذا أصبحت القراءة بالنسبة إلى بعض الناس عملاً شاقاً، ليس لأن الكتب أصبحت أصعب، وإنما لأن قدرتنا على التركيز أصبحت أضعف

4. نحن لا نكره القراءة… بل نكره مواجهة أنفسنا

الكتاب الحقيقي لا يمدحك دائماً.

قد يخالفك.

وقد يكشف لك جهلاً كنت تظنه علماً.

وقد يجعلك تكتشف أنك بنيت بعض آرائك على معلومات ناقصة.

وقد يضع أمامك أسئلة لم تكن مستعداً لها.

وهنا يهرب البعض.

فمن الأسهل أن تقرأ ما يوافقك، وأن تستمع إلى من يشبهك، وأن تتابع من يؤكد أفكارك.

لكن المعرفة الحقيقية ليست دائماً مريحة.

أحياناً تأتي لتقول لك:

كنت مخطئاً.

وهذه الجملة، رغم قسوتها، قد تكون بداية النضج الحقيقي.

5. الإنسان الذي لا يقرأ يعيش داخل حدود الآخرين

كل إنسان يمتلك تصوراً عن الحياة.

لكن السؤال: من صنع هذا التصور؟

هل صنعته أنت من خلال البحث والتجربة والتفكير؟

أم صنعته الأسرة والمجتمع والإعلام والبيئة وما سمعته منذ طفولتك؟

الذي لا يقرأ كثيراً يترك الآخرين يكتبون له أفكاره.

يقررون له ما الذي يخاف منه، وما الذي يكرهه، ومن الذي يصدقه، ومن الذي يرفضه، وما الذي يعتبره نجاحاً أو فشلاً.

أما القراءة فتمنح الإنسان فرصة نادرة:

أن يستعيد حقه في تشكيل عقله بنفسه.

6. قلة القراءة تجعل الإنسان أكثر عرضة للخداع

ليس كل ما ينتشر صحيحاً.

وليس كل مشهور عالماً.

وليس كل متحدث واثق صادقاً.

وليس كل معلومة مكتوبة على شاشة الهاتف حقيقة.

القارئ الجيد يتعلم مع الوقت أن يسأل:

من قال؟ ما الدليل؟ ما المصدر؟ هل توجد وجهة نظر أخرى هل هناك تفسير مختلف؟

وهذه الأسئلة البسيطة تشكل حصناً للعقل.

ولهذا فالقراءة ليست مجرد طريق إلى الثقافة؛ إنها أيضاً وسيلة للدفاع عن العقل أمام التضليل.

7. لماذا نقرأ مئات المنشورات ولا نقرأ كتاباً؟

لأننا أحياناً نخلط بين التعرض للمعلومات و التعلم.

قد تمر أمام الإنسان خلال ساعة مئات الأفكار.

لكنه بعد ساعات قليلة لا يتذكر إلا القليل منها.

الكتاب مختلف.

إنه يتيح للفكرة أن تتنفس.

أن تتطور.

أن ترتبط بفكرة أخرى.

أن تدخل في حوار مع أفكارك السابقة.

ولهذا فإن صفحة واحدة تقرأها بوعي قد تكون أثمن من مئات المنشورات التي مرّت أمام عينيك دون أن تترك أثراً.

ليست القضية كم قرأت، وإنما ماذا اختزلت و ماذا تعلمت بعد أن قرأت.

8. القراءة تصنع الإنسان قبل أن تصنع المثقف

ليست قيمة القراءة في أن تستطيع أن تقول: قرأت مئة كتاب.

فقد يقرأ الإنسان كثيراً ويبقى ضيق الأفق.

وقد يحفظ آلاف المعلومات ولا يعرف كيف يتعامل مع الناس.

القراءة الحقيقية تبدأ حين تنتقل من الورق إلى الشخصية.

أن تقرأ عن الصبر ثم تصبح أكثر صبراً.

أن تقرأ عن الاختلاف ثم تصبح أكثر قدرة على احترام المختلف معك.

أن تقرأ عن الزمن ثم تتوقف عن تبديده.

أن تقرأ عن الإنسان ثم تصبح أكثر رحمة بالإنسان.

عندها فقط تصبح القراءة تربية للروح والعقل معاً.

9. والأهم من قراءة الكتب: أن نقرأ أنفسنا

قد نقرأ التاريخ ولا نقرأ ذواتنا.

قد نعرف قصص الآخرين ولا نعرف قصتنا.

قد نفهم العالم ولا نفهم أسباب غضبنا وخوفنا وحسدنا وقلقنا.

وهنا تبدأ القراءة الأعمق:

أن تجلس مع نفسك وتسأل:

من أنا؟

ماذا أريد؟

ما الذي أخشاه؟

لماذا أكرر الخطأ نفسه؟

ما الذي أهرب منه؟

ما الذي أضيّع عمري في مطاردته؟

وأي إنسان أريد أن أكون عندما أصل إلى نهاية الطريق؟

إن الإنسان الذي لا يقرأ نفسه قد يمتلك مكتبة كاملة، لكنه يبقى غريباً عن ذاته.

10. وإذا كانت «اقرأ» أول كلمة… فماذا عن القرآن؟

هنا يتخذ السؤال بعداً آخر.

القراءة في الإسلام ليست منفصلة عن التدبر.

قال الله تعالى:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾.

فليست الغاية أن تمر الكلمات على اللسان فقط، بل أن تصل معانيها إلى القلب والعقل والسلوك.

أن نقرأ القرآن يعني أن نبحث عن الهداية فيه، وأن نسمح للآيات بأن تعيد ترتيب علاقتنا بأنفسنا وبالناس وبالحياة.

وقد تكون المشكلة أحياناً أننا نقرأ كثيراً، لكننا لا نتدبر بما يكفي

والفرق بين القراءة والتدبر هو الفرق بين أن تمر على النص، وأن يسمح النص بالمرور إلى أعماقك.

11. الأمة التي لا تقرأ تستهلك أكثر مما تنتج

الحضارات لا تبنى بالاستهلاك وحده.

الأمة التي لا تنتج أفكارها تصبح مضطرة إلى استيراد أفكار الآخرين.

والتي لا تبحث، لا تكتشف.

والتي لا تقرأ، لا تمتلك الأدوات الكافية لفهم ما يحدث حولها.

ولهذا فإن القراءة ليست مشروعاً فردياً فقط.

إنها قضية حضارية.

فالكتاب الذي يقرأه طفل اليوم قد يصبح فكرة يطورها غداً، ثم بحثاً علمياً، ثم اختراعاً، ثم مؤسسة، ثم حلاً لمشكلة يعيشها المجتمع.

قد تبدأ الحضارة من صفحة.

12. لا تنتظر الوقت المناسب

من أكثر الأكاذيب التي نقولها لأنفسنا:

«سأقرأ عندما أجد الوقت.»

والحقيقة أن الوقت لا يُعثر عليه دائماً؛ بل يُنتزع من بين الأشياء التي نعتقد أنها أكثر أهمية.

نحن نجد وقتاً للهاتف.

نجد وقتاً للأخبار.

نجد وقتاً للتصفح.

نجد وقتاً لمتابعة حياة الآخرين.

فلماذا لا نجد نصف ساعة لأنفسنا؟

ابدأ بعشر صفحات.

ليس المطلوب أن تتحول غداً إلى موسوعة.

المطلوب فقط أن تجعل القراءة عادة صغيرة ثابتة.

فالسنوات تصنع ما لا تصنعه الحماسة المؤقتة.

13. اجعل الكتاب جزءاً من حياتك

لا تجعل الكتاب شيئاً تفتحه في المناسبات.

ضعه بالقرب منك.

اقرأ قبل النوم.

اقرأ في الصباح.

احمل كتاباً معك.

استبدل بعض دقائق الهاتف بصفحات.

ولا تسأل دائماً: «ما الكتاب الذي يجب أن أقرأه؟»

اسأل أولاً:

ما الشيء الذي أحتاج إلى فهمه في حياتي الآن؟

ثم ابحث عن الكتاب الذي يساعدك على فهمه.

فالكتاب الأفضل ليس بالضرورة الكتاب الأشهر، وإنما الكتاب الذي يأتي في اللحظة التي تحتاج فيها إلى فكرته.

14. ماذا يحدث للإنسان عندما يقرأ سنوات؟

يتغير دون أن يشعر.

تتسع مفرداته.

يتعمق تفكيره.

يصبح أقل اندفاعاً في الحكم.

يكتشف أن الحقيقة أكثر تعقيداً مما كان يظن.

يتعلم أن الاختلاف لا يعني العداوة.

ويصبح أكثر قدرة على رؤية الأشياء من زوايا متعددة.

والأجمل من ذلك كله أنه يكتشف شيئاً بالغ الأهمية:

أن جهله أكبر بكثير مما كان يتصور.

وهذه ليست علامة ضعف.

بل ربما تكون إحدى علامات الحكمة.

فكلما اتسعت دائرة المعرفة، اتسعت معها دائرة الأسئلة.

15. فهل نريد فعلاً أن نكون أمة «اقرأ»؟

السؤال في النهاية ليس عن الكتاب.

إنه عنا.

عن البيت الذي لا توجد فيه مكتبة.

عن الطفل الذي يكبر وهو يرى الهاتف في يد أبيه أكثر مما يرى كتاباً في يده.

عن المدرسة التي قد تعلم الطالب كيف يجيب، لكنها لا تعلمه دائماً كيف يسأل.

عن المجتمع الذي يحتفي أحياناً بمن يتحدث كثيراً، أكثر مما

يحتفي بمن يفكر بعمق.

إن «اقرأ» ليست كلمة تخص الماضي.

إنها نداء حاضر.

نداء لكل إنسان يريد أن يخرج من أسر الجهل، والتقليد، والسطحية، والتلقي الأعمى.

إنها دعوة إلى أن نعيد بناء الإنسان من الداخل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
Verified by MonsterInsights