مصر30/6
“أمل منصور”: أعمالي تستند لفهم متداخل بين التجربة الإنسانية والمراجع النفسية ..
الصمت لغة كاملة لها مفرداتها وإيقاعها النفسي الخاص ..

ـ الكتابة محاولة لإعادة ترتيب الفوضى الداخلية، لا لتفسير الآخر فقط
ـ أكثر ما يوجع الإنسان ليس ما يُقال له، بل ما يفترضه ولا يُقال له أبدًا ..
ـ القوة تنبع من القدرة على إعادة تعريف العلاقة مع الخسارة
حوار ـ أحمد إبراهيم
تمتلك الدكتورة أمل منصور الإعلامية والباحثة والأكاديمية، رؤية خاصة جداً عن العلاقات الإنسانية وبالتحديد العلاقة بين الرجل والمرأة، فلها العديد من المؤلفات التي تناولت هذه العلاقة المركبة بشكل سلسل وعميق .. لذا كان لنا معها هذا الحوار ..
ـ بداية .. ما ترتيب كتاب .. حين يتكلم الصمت بيننا .. بين مؤلفات حضرتك ؟
ـ كتابي هذا في منطقة مختلفة بتجربتي ككاتبة ، ليس باعتباره امتدادًا خطيًا لما سبق، بل باعتباره نقطة أكثر عمقًا في الغوص داخل النفس الإنسانية.
فلقد جاء بعد تراكم من الأسئلة حول العلاقات، فهو يتعامل مع ما هو غير مرئي أكثر مما يتعامل مع الظاهر. يمكن القول إنه الأكثر نضجًا من حيث الاشتباك مع المشاعر المعقدة، والأكثر جرأة في تفكيك ما لا يُقال بين الناس.
برأي هو الأقرب إلى نبض الداخل الإنساني حين يصبح الصمت لغة قائمة بذاتها لا مجرد غياب للكلام.

ـ لماذا دائما لديكم إهتمام بهذه النوعية من الأعمال ؟
ـ هذا الاهتمام هو انحياز لفهم الإنسان في لحظات ضعفه غير المعلنة.
ما يشدني دائمًا هو تلك المنطقة التي لا تُقال، حيث تتكدّس المشاعر خلف ملامح هادئة وكلمات تبدو عادية، بينما الداخل يموج بأسئلة لا تجد طريقها للنطق.
الكتابة هنا تصبح محاولة لإعادة ترتيب الفوضى الداخلية، لا لتفسير الآخر فقط، بل لفهم الذات وهي تنعكس في الآخر.
فالعلاقات الإنسانية تحمل طبقات نفسية دقيقة، وكلما تعمقنا فيها اكتشفنا أن أكثر ما يوجع الإنسان ليس ما يُقال له، بل ما يفترضه ولا يُقال له أبدًا.
ـ ماذا عن طبيعة التلقي لهذه النوعية من المؤلفات ؟
ـ التلقي في هذا النوع من الكتابات لا يكون واحدًا، فهناك من يقرأ بعين الباحث عن تفسير لما يعيشه، وهناك من يقرأ وكأنه يعيد ترتيب ذاكرته العاطفية بهدوء داخلي.
لذلك يتفاوت الأثر، لكنه في جوهره يفتح بابًا للتأمل أكثر مما يقدم إجابات جاهزة، ويترك أثرًا طويل المدى لأنه يمس مناطق صامتة في الداخل الإنساني.
ـ من هي الشرائح والأجيال العمرية التي تقبل علي هذه المؤلفات ؟
ـ هذا النوع من الكتابة لا يرتبط بعمر بقدر ما يرتبط بدرجة الوعي الداخلي واستعداد الإنسان لمواجهة ذاته.
الفكرة لا تتعلق بجيل محدد، بل بحالة شعورية مشتركة بين من يملكون حساسية عالية تجاه العلاقات الإنسانية.
كل قارئ يدخل النص من زاويته الخاصة، لكن ما يجمعهم جميعًا هو رغبة صادقة في فهم ما وراء السلوك، وما لا يُقال في العلاقات أكثر مما يُقال.
ـ ما الجديد بمؤلفكم الأخير .. حين يتكلم الصمت بيننا ..؟
ـ الجديد هو أنه لا يتعامل مع الصمت باعتباره فراغًا، بل باعتباره لغة كاملة لها مفرداتها وإيقاعها النفسي الخاص. الكتاب لا يشرح العلاقات بقدر ما يحاول الاقتراب من المساحات التي تتكوّن فيها المشاعر قبل أن تتحول إلى كلمات.
هناك تركيز على اللحظات غير المرئية داخل العلاقة، تلك التي لا تُحكى لكنها تُشكّل الوعي العاطفي للإنسان.
الجديد أيضًا أنه يضع القارئ أمام نفسه دون وسائط، فيشعر أن النص لا يتحدث عن الآخرين فقط، بل يعيد ترتيب صوته الداخلي. هو محاولة لفهم كيف يمكن للصمت أن يكون أحيانًا أصدق من التعبير، وأكثر كثافة من أي حوار مباشر.
ـ ما رسالة العمل ؟
ـ رسالة العمل تقوم على إعادة الاعتبار لما هو غير منطوق في العلاقات الإنسانية، وإظهار أن الصمت ليس غيابًا عن المعنى بل حضورٌ آخر له. الكتاب يحاول أن يلفت الانتباه إلى أن كثيرًا من الانكسارات العاطفية لا تأتي من الكلمات القاسية فقط، بل من المساحات التي تُترك دون تفسير، فتتحول إلى أسئلة داخلية تتراكم بصمت. الرسالة الأعمق هي دعوة لفهم الذات قبل الحكم على الآخر، وإدراك أن كل علاقة تحمل طبقات نفسية متداخلة تحتاج إلى وعي لا إلى ردود فعل سريعة.
هو عمل يفتح نافذة للتأمل، ويعيد ترتيب مفهوم التواصل ليشمل ما يُقال وما يُشعر به وما يبقى عالقًا بين الاثنين.

ـ كيف تتحقق القوة الداخلية للإنسان ؟
ـ القوة الداخلية لا تُبنى من لحظة قرار حادة بقدر ما تتشكل عبر تراكم هادئ من الوعي بالذات.
أن يفهم الإنسان مشاعره دون أن يُنكرها، وأن يعترف بضعفه دون أن يسمح له بالتحكم في مساره، هنا تبدأ ملامح القوة الحقيقية.
القوة تنبع من القدرة على إعادة تعريف العلاقة مع الخسارة، ومع التوقعات، ومع الآخر، بحيث لا يصبح الإنسان أسير ردود فعله، بل صانع لمساحته النفسية الخاصة به.
ـ ذكرتي أنواع عدة للصمت ما أهمها وأصعبها ؟
ـ أصعب أنواع الصمت هو ذلك الصمت الذي لا يأتي من غياب الكلام، بل من امتلاء داخلي لا يجد طريقًا للتفريغ.
صمت يتكوّن داخل العلاقة رغم وجود حضور مادي، لكنه حضور بلا تواصل حقيقي، حيث تصبح الكلمات موجودة لكن بلا روح.
هناك أيضًا صمت العجز عن التعبير، حين يشعر الإنسان بكل شيء لكنه لا يملك القدرة على صياغته، فيتحول الإحساس إلى ثقل داخلي.
أما أخطرها فهو الصمت الذي يبدو هادئًا من الخارج بينما داخله مزدحم بالأسئلة المؤجلة والعتب غير المعلن، لأنه لا يُرى بسهولة لكنه يترك أثرًا عميقًا في الوعي العاطفي ويعيد تشكيل العلاقة من الداخل دون أن يلاحظ الطرفان ذلك في البداية.
ـ كيف يمكن هزيمة الصمت والوصول لحالة نفسية بناءه؟
ـ هزيمة الصمت لا تعني إلغاؤه، بل تحويله من مساحة انغلاق إلى مساحة فهم.
البداية تكون من الاعتراف بما يدور داخل النفس دون تزييف أو تهوين، لأن ما يُكبت يزداد ثقلاً مع الوقت. ثم تأتي مرحلة إعادة بناء لغة تواصل أكثر صدقًا، لا تعتمد فقط على الكلمات، بل على وضوح الشعور واستعداد الإنسان لقول ما يشعر به دون خوف من رد الفعل.
الحالة النفسية البناءة تتشكل حين يتوقف الفرد عن انتظار أن يفهمه الآخر بشكل كامل، ويبدأ في التعبير عن نفسه بوضوح كافٍ يمنع التراكمات الصامتة.
عندها يتحول الصمت من حاجز إلى مساحة تأمل، ومن عبء إلى فرصة لإعادة ترتيب الداخل الإنساني بهدوء واتزان.
ـ تعرضتي لبعض الجوانب والتأثير النفسي لأنواع الصمت المختلفة.. هل تم الرجوع للمتخصصين ..؟
ـ العمل في هذا النوع من الكتابة لا يعتمد على الانطباع الفردي وحده، بل يستند إلى فهم متداخل بين التجربة الإنسانية والمراجع النفسية العامة التي تشرح أنماط التفاعل العاطفي والسلوكي. تم الاستفادة من قراءات في علم النفس العاطفي وتحليل العلاقات، إلى جانب الاطلاع على بعض الرؤى المتخصصة التي تساعد في فهم ردود الفعل الداخلية للإنسان داخل العلاقات. لكن في النهاية، يبقى الأساس هو محاولة بناء جسر بين المعرفة العلمية وبين الحس الإنساني، بحيث لا تتحول الفكرة إلى تشخيص جاف، بل إلى قراءة وجدانية تحترم عمق التجربة وتترك مساحة للقارئ كي يرى نفسه داخلها لا كحالة علمية، بل كإنسان يعيش تفاصيلها.






