سينما ومسرحمقالات وأراء

“أحمد أبو صالح” يكتب : “كيرة والجن” .. سكة التاريخ

"كيرة والجن" من أبرز الأفلام التي تم  طرحها هذا العام

يبدو أن المخرج “مروان حامد” قد إلتقط خيطاً سحرياً جديداً لفن صناعة السينما، فهذا السينمائي الشقي إبن الراحل الكاتب الكبير وحيد حامد، التمرد مكون أصيل بطبعة، فمزاجه الفني لا يهدأ ولا يستقر عند شكل أو لون سينمائي يبرع به ويستقر عنده حفاظاً علي مكانة وشكلاً سينمائياً يضمن بهما لنفسه دوام واستمرار التواجد والعمل في أحوال سينمائية بل وكونية متقلبة لا تعرف الإستقرار والهدوء.

وهذا ما شاهدته في عدة تجارب سينمائية متتالية، حرص فيها حامد علي أن يقدم نفسه بشكل جديد تماماً، متحدياً نفسه وقدراته وحتي متابعيه وجمهوره، فحامد يثبت دائما أنه فنان أصيل تُعد الحداثة والتجديد مكون ومزيج يجري بدمه لجانب كرات الدم البيضاء والحمراء.

وفيلم “كيرة والجن” المأخوذ عن رواية “1919 للكاتب والسيناريست “أحمد مراد” هذا الوجه السينمائي البازخ بقوة والذي قدم للسينما أعملاً جميلة وقوية وكون مع حامد ثنائي يبدو التفاهم والتألف جلياً علي أعمالهم، فلقد قدماً معاً أعمالاً سينمائية تحدت الجائحة العالمية والوباء القاسي فيروس كورونا اللعين، وها هما اليوم يقدما عملاً سينمائياً يتحدي ظرف تاريخي قاسي وحرب عالمية تدور رحها بأطراف القارة العجوز أوروبا وينعكس صداها المعنوي والمادي علي كل البلاد وكل إنسان بهذه الدنيا، عملاً لاقي إقبالاً جماهيرياً من شرائح وفئات اجتماعية شتي كبار وصغار أغنياء وفقراء مثقفين وعوام، والأخيرة هي الشريحة الأهم التي أراهن عليها دائما، فقبول هذه الشريحة لهذه النوعية من الأفلام الصعبة التي يختلط فيها الملحمي الوطني بالتاريخي بالفنتازي – والمعتمدة علي سرد وشكل سينمائي قد يواجه صعوبة في الوصول لهذه الشريحة الهامة- والتي بيدها أن تسقط أو تحقق النجاح لأي عمل درامي كان، وهذا ما حدث وما شاهدته بعيني لعمل أحببته منذ تتير البداية وما به من إهداء مؤثر لقامة سينمائية وفكرية أثرت الحياة الفنية والأدبية بأعمال فنية وبمقالات صادقة لازعة لازال صدها يدوي حتي اليوم.

فلقد أرتدي فيلم “كرة والجن” ثوب التاريخ ولكن بإستيل وتفاصيل عصرية أنقية، سهل مرور زمن الفيلم الطويل – ثلاث ساعات تقريباً – سريعاً دون كد أو ملل،وهذا بسبب الأداء التمثيلي الممتع الشيق، الذي قرب الشخصيات التاريخة التي لا يعرفها أغلبنا إلي أذهننا وأفئدتنا وشعرنا بأنها منا وعلي رؤسنا، بأداء تمثيلي رشيق لكل أبطال العمل “أحمد عز وكريم عبد العزيز وهند صبري وسيد رجب وأحمد مالك وهدى المفتي ورزان جمال، وأحمد عبد الله محمود” وأخيراً البديع “أحمد كمال” مدرسة التمثيل المتحركة – الذي يقول الكثير في القليل – فبمشاهد معدودة وقليلة جداً يستطيع أن يخرج من قمقم موهبته غولاً تمثيلاً لا تعرف من أين أتي به، وكيف صنع لشخصية المعاناة والتاريخ وأيضاً المستقبل الذي نحبه ونتلاقي معه، إن كمال قماشة تمثيلية فضفاضة يستطيع أي مخرج واعٍ مبدع أن ينسج من خيوطها أروع الأتواب بأجمل الألوان، فكمال فنان يستحق أن يكتب له وأن تتبعه كتيبه متخصصة من الفنانين تبحث في أغوار موهبته وتخرج منها كنوزاً تمتعنا وتشوقنا للمزيد والمزيد.

سكة التاريخ

إن عبقرية فيلم “كيرة والجن” تكمن في حرص صناعة على أن تكون المعركة هى الوطن، بكل أطيافه وفئاته وناسه فسواء كنت مسلم أومسيحى أويهودى، رجلاً أو إمرأة، مثقف أو أُمّى، فلاح أو صعيدى، أو حتي شاباً أو طفلاً، ستجد لنفسك بهذا العمل مكانا وشخصية تتماهي معها وتشاركها أهدفها وأحلامها،وهذا ما تحقق ورأيناه بكتلة المقاومة التي جسدت روح الوطن وعبرت عن مكوناته خير تعبير.

وحقيقة إن فيلم ” كيرة والجن” ومن قبله فيلم “الممر” أحيا تراثاً منسياً لشعبٍ يملك تاريخ يذخر بكنوز من السير والملاحم والفداء لأبطال من صلبنا ودمائنا، كما أن هذين الفيلمين نقلا صناعة السينما لدنيا ثانية وعالم مختلف، عالم من الفن الهادف الراقي المتماس مع قضايا الوطنوأحلام أهله، ولكن من يملك الجرأة والحرفنة لصياغة التاريخ بهذا الشكل والأسلوب الجماهيري سوي أصحاب الموهبة الحقيقية العميقة.

وفي النهاية لا يمكن لنا إلا أن نقر ونعترف بأن سكة التاريخ من الممكن أن تحقق كل أهداف السينما من نجاح فني هادف إلي نجاح جماهيري يسعد المتلقي وينعش جيب المنتج ورجاله.

إقرأ أيضاً ..

“كيرة والجن” يتصدر الإيرادات و ” بحبك ” الثاني

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights