تعد موسوعة قصة الحضارة من أشهر المشروعات التاريخية الموجهة إلى القارئ العام في القرن العشرين، ألفها ويل ديورانت بالاشتراك مع أريل ديورانت، وصدرت على مدى أربعين عامًا تقريبًا، بين 1935 و1975، وقد أسهمت في ترسيخ اسميهما بين أبرز كتاب التاريخ والفلسفة المبسطة.
وتقوم الموسوعة على تقديم تاريخ الحضارة بوصفه تاريخًا شاملًا لا يقتصر على السياسة والحروب، بل يمتد إلى الدين والفلسفة والأدب والفن والعادات الاجتماعية، ولهذا بدأ الجزء الأول بعنوان “تراثنا الشرقي” وانتهت السلسلة بكتاب “عصر نابليون”. كما نالت الموسوعة تقديرًا كبيرًا، وفاز الجزء العاشر منها، “روسو والثورة”، بـجائزة بوليتزر في فئة الأعمال غير الروائية العامة سنة 1968، وهو ما رسخ مكانة هذا العمل بوصفه واحدًا من أهم الأعمال التي سعت إلى سرد التاريخ الإنساني في صورة موسوعية ممتدة تجمع بين المعرفة والأسلوب الأدبي.. تبدأ الموسوعة بتعريف الحضارة كما يراها ويل ديورانت، ويقول تحت عنوان “عوامل الحضارة”:
الحضارة نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي، وإنما تتألف الحضارة من عناصر أربعة: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقية، ومتابعة العلوم والفنون؛ وهي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق، لأنه إذا ما أمن الإنسان من الخوف، تحررت في نفسه دوافع التطلع وعوامل الإبداع والإنشاء، وبعدئذ لا تفتأ الدوافع الطبيعية تستنهضه للمضي في طريقه إلى فهم الحياة وازدهارها.
والحضارة مشروطة بطائفة من عوامل هي التي تستحث خطاها أو تعوق مسراها؛ وأولها العوامل الجيولوجية، ذلك أن الحضارة مرحلة متوسط عمرين من عصور الجليد؛ فتيار الجليد قد يعاود الأرض في أي وقت فيغمرها من جديد، بحيث يطمس منشآت الإنسان بركام من ثلوج وأحجار، ويقصر الحياة في نطاق ضيق من سطح هذه الأرض؛ وشيطان الزلازل الذي نبني حواضرنا في خفوته، ربما تحرك حركة خفيفة بكتفيه فالتهمنا في جوفه غير آبه لنا.
وثانيها العوامل الجغرافية، فحرارة الأقطار الاستوائية وما يجتاح تلك الأقطار من طفيليات لا تقع تحت الحصر، لا تهيئ المدنية أسبابها؛ فما يسود تلك الأقطار من خمول وأمراض، وما تعرف به من نضوج مبكر وانحلال مبكر، من شأنه أن يصرف الجهود عن كليات الحياة التي هي قوام المدنية، ويستنفدها جميعًا في إشباع الجوع وعملية التناسل، بحيث لا تترك للإنسان شيئًا من الجهد يتنفقه في ميدان الفنون والتفكير. والمطر كذلك عامل ضروري إذ الماء وسيلة الحياة، بل قد يكون أهم للحياة من ضوء الشمس، وما كانت المياه متقلبة الأهواء لغير سبب مفهوم قد بالجفاف على أقطار ازدهرت يومًا بالسلطان والعمران، مثل نينوى وبابل، أو قد تسرع الخطى بتوافقه والرخاء، بمدائن هي – فيما يبدو لنا – بعيدة عن الطريق الرسمي فتقل اتصالاتها؛ مثل المدن في بريطانيا العظمى أو خليج بوجدت. وإذا كانت تربة الإقليم تجود بالطعام أو المعادن، وإذا كانت أنهاره تفتح له طريقًا هينة لتبادل مع غيره، وإذا كان شاطئه مليئًا بالمواضع التي تصلح مرافق طبيعية لأسطوله التجاري، ثم إذا كانت الأمة فوق هذا كله تقع على الطريق الرئيسية للتجارة العالمية، كما كانت حال أثينا وقرطاجنة وفلورنسة والبندقية، إذن فالعوامل الجغرافية على الرغم من أنها يستحيل أن تخلق المدنية خلقًا، إلا أنها تستطيع أن تبتسم في وجهها، وأن تهيئ سبيل ازدهارها.
والعوامل الاقتصادية أهم من ذلك؛ فقد يكون لشعب مؤسسات اجتماعية منظمة، وتشريع خلقي رفيع، بل قد تزدهر فيه صغيرات الفنون، كما هي الحال مع الهنود الأمريكيين، ومع ذلك فإنه إن ظل في مرحلة الصيد البدائية، واعتمد في وجوده على ما عسى أن يصادفه من قنائص، فإنه يستحيل أن يتحول من الهمجية إلى المدنية تحولًا تامًا؛ قد تكون حياة البدو كبدو بلاد العرب، على درجة نادرة من القوة والذكاء، وقد تبدو من ألوان الخلق أسماها كالشجاعة والكرم والشيم، لكن ذكاءها يكون بغير الحد الأدنى من الثقافة الذي لابد منه؛ وبغير اطراد موارد قوت، ستنفقه في مخاطر الصيد ومقتضيات التجارة، بحيث لا يبقى لها منه شيء لوثبة المدنية ومباهجها ولطائفها وملحقاتها وفنونها وترفها؛ وأول صورة تبدأ بها الثقافة هي الزراعة، إذ الإنسان لا يعرف طعم فراغ ومهارة إلا إذا استقر إلى مكان يقلح تربته ويخزن فيه القوت ليوم قد لا يجد فيه موردًا لطعامه؛ في هذه الدائرة الضيقة من الطمأنينة، وأعني بها موردًا محققًا من ماء وطعام، ترى الإنسان يبني لنفسه الدور والمعابد والمدارس، ويخترع الآلات التي تعينه على الإنتاج، ويستأنس الكلب والحمار والخنزير، ثم يسيطر على نفسه آخر الأمر، فيتعلم كيف يعمل في نظام واطراد، ويحتفظ بحياته أمدًا أطول، ويزداد قدرة على نقل تراث الإنسانية من علم وأخلاق نقلًا أمينًا.
والعوامل الاقتصادية أهم من ذلك؛ فقد يكون لشعب مؤسسات اجتماعية منظمة، وتشريع خلقي رفيع، بل قد تزدهر فيه صغيرات الفنون، كما هي الحال مع الهنود الأمريكيين، ومع ذلك فإنه إن ظل في مرحلة الصيد البدائية، واعتمد في وجوده على ما عسى أن يصادفه من قنائص، فإنه يستحيل أن يتحول من الهمجية إلى المدنية تحولًا تامًا؛ قد تكون حياة البدو كبدو بلاد العرب، على درجة نادرة من القوة والذكاء، وقد تبدو من ألوان الخلق أسماها كالشجاعة والكرم والشيم، لكن ذكاءها يكون بغير الحد الأدنى من الثقافة الذي لابد منه؛ وبغير اطراد موارد قوت، ستنفقه في مخاطر الصيد ومقتضيات التجارة، بحيث لا يبقى لها منه شيء لوثبة المدنية ومباهجها ولطائفها وملحقاتها وفنونها وترفها؛ وأول صورة تبدأ بها الثقافة هي الزراعة، إذ الإنسان لا يعرف طعم فراغ ومهارة إلا إذا استقر إلى مكان يقلح تربته ويخزن فيه القوت ليوم قد لا يجد فيه موردًا لطعامه؛ في هذه الدائرة الضيقة من الطمأنينة، وأعني بها موردًا محققًا من ماء وطعام، ترى الإنسان يبني لنفسه الدور والمعابد والمدارس، ويخترع الآلات التي تعينه على الإنتاج، ويستأنس الكلب والحمار والخنزير، ثم يسيطر على نفسه آخر الأمر، فيتعلم كيف يعمل في نظام واطراد، ويحتفظ بحياته أمدًا أطول، ويزداد قدرة على نقل تراث الإنسانية من علم وأخلاق نقلًا أمينًا.
إن الثقافة لترتبط بالزراعة، كما ترتبط المدنية بالمدينة. إن المدنية في وجه من وجوهها هي “رقة المعاملة”، ورقة المعاملة هي ذلك الضرب من السلوك المهذب الذي هو في رأي أهل المدن – ومن أينين صاغرًا حكمة المدنية – من خصائص المدينة وحدها؛ ذلك لأنه تتجمع في المدينة، حقًا أو باطلًا، ما ينتجه الريف من ثراء ومن نوابغ العقول؛ وكذلك يعمل الاختراع وتعمل الصناعة على مضاعفة وسائل الراحة والترف والفراغ؛ وفي المدينة يلتقي التجار حيث يتبادلون السلع والأفكار، وههنا حيث تتلاقى طرق التجارة فتتلاقح العقول، فيرهف الذكاء وتستثار فيه قوته على الخلق والإبداع؛ وكذلك في المدينة يستغنى عن فئة من الناس، فلا يطلب إليهم صناعة الأشياء المادية، فتراهم يتفرغون على إنتاج العلم والفلسفة والأدب والفن. نعم إن المدنية تبدأ في كوخ الفلاح، لكنها لا تزدهر إلا في المدن.
وليست تتوقف المدنية على جنس دون جنس، فقد تظهر في هذه القارة أو تلك، وقد تنشأ عن هذا اللون من البشرة أو ذاك؛ إذ قد نهضت مدنية في بكين أو دلهي، في منفيس أو بابل، في رافنا أو لندن، في بيرو أو يوكاتان. فليس هو الجنس العظيم الذي يصنع المدنية، بل المدنية المنيعة هي التي تخلق الشعب، لأن الظروف الجغرافية والاقتصادية تخلق ثقافته، والثقافة تلك القالب الذي يصاغ عليه. ليست المدنية البريطانية وليدة الرجل الإنجليزي، ولكنه هو صنيعها؛ فإذا ما رأيته يحداها معه أينما ذهب ويرتدي حلّتها وهو في “تنكو”، فليس معنى ذلك أنه يخلق مدنيته هناك خلقًا جديدًا، بل معناه أنه ينسخ حتى إلى الأصقاع النائية مدى بريطانيا على نفسه. فلو تهيأت لجنس آخر نفس الظروف المادية، ألفيت النتائج نفسها تنولد عنها، وها هي ذي اليابان في القرن العشرين تعيد تاريخ إنجلترا في القرن التاسع عشر. وإذن فالمدنية لا ترتبط بالجنس إلا بمعنى واحد، وهو أنها تجيء عادة بعد مرحلة يتم فيها التزاوج البطيء بين شتى العناصر، ذلك التزاوج الذي ينتهي تدريجًا إلى تكوين شعب متجانس نسبيًا.
وما هذه العوامل المادية والبيولوجية إلا شروط لازمة لنشأة المدنية، لكن هناك العوامل النفسية الدقيقة، فلا بد أن يسود الناس نظام سياسي مما يبلغ ذلك النظام من الضعف حدًا يدنو به من الفوضى، كما كانت الحال في فلورنسة وروما أيام النهضة. ثم لا بد للناس أن يشعروا شيئًا فشيئًا أن لا حاجة لهم إلى توقي الموت أو الضريبة عند كل منعطف في طريق حياتهم. ولا مندوحة كذلك عن وحدة لغوية إلى حد ما لتكون بين الناس وسيلة لتبادل الأفكار. ثم لا مندوحة أيضًا عن قانون قوي يربط أيديهم عن طريق الكنيسة أو الأسرة أو المدرسة أو غيرها، حتى تكون هناك في لعبة الحياة قاعدة يرعاها اللاعبون ويعترفون بها حين يخرج الخارجون عليها؛ وبهذا يضطرد سلوك الناس بعض الشيء، وينتظم، ويتخذ له هدفًا وحافزًا. وربما كان من الضروري كذلك أن يكون بين الناس بعض الاتفاق في العقائد الرئيسية وبعض الإيمان بما هو كائن وراء الطبيعة أو بما هو بمنزلة المثل الأعلى المنشود؛ لأن ذلك يرفع الأخلاق من مرحلة توازن فيها بين نفع العمل وضرره إلى مرحلة الإخلاص للعمل ذاته، وهو كذلك يجعل حياتنا أشرف وأخصب على الرغم من قصر أمدها قبل أن يخطفها الموت. وأخيرًا لا بد من تربية – وأعني وسيلة تمتد مهما تكن بدائية – لكي تنقل الثقافة على مر الأجيال، فلابد أن نورث الناشئة تراث القبيلة وروحها، فنورثهم نفعها ومعارفها وأخلاقها وتقاليدها وعلومها وفنونها، سواء كان ذلك التوريث عن طريق التقليد أو التعلم أو التلقين، وسواء في ذلك أن يكون المربي هو الأب أو الأم أو العم أو القسيس، لأن هذا التراث إن هو إلا الأداة الأساسية التي تحول هؤلاء النشء من مرتبة الحيوان إلى طور الإنسان.
ولو انعدمت هذه العوامل – بل ربما أو العدم واحد منها – باء للمدنية أن تشخص أمامها. فانقلاب جيولوجي خطير، أو تغيّر مناخي شديد، أو وباء يفلت من الناس زمامه كالوباء الذي قضى على نصف سكان الإمبراطورية الرومانية في عهد “أنطون”، و”الموت الأسود” الذي جاء عاملًا على زوال العهد الإقطاعي، أو زوال الخصوبة من الأرض، أو فساد الزراعة بسبب طغيان الحواضر على الريف، بحيث ينتهي الأمر إلى اعتماد الناس في أقواتهم على ما يرد إليهم متقطعًا من بلاد أخرى، أو استنفاد الموارد الطبيعية في الوقود أو المواد الخام، أو تغيير في طرق التجارة تغيرًا يبعد أمة من الأمم عن الطريق الرئيسية لتجارة العالم، أو انحلال في الأخلاق ينشأ عن الحياة في الحواضر بما فيها من منبهات ومغريات واتصالات، أو ينشأ عن هدم القواعد التقليدية التي كان النظام الاجتماعي يقوم على أساسها ثم العجز عن إحلال غيرها مكانها، أو بلية قوة الأصلاب بسبب اضطراب الحياة الجنسية، أو بسبب ما يسود الناس من فلسفة أبيقورية متشائمة أو فلسفة تحفزهم على ازدراء الكفاح، أو ضعف الوسائل التي كان في مقدورها أن تورث الخلف تراث الجماعة الفكري كاملًا غير منقوص، أو تركز الثروة تركزًا زائدًا ينتهي بالناس إلى حرب الطبقات والثورات الهدامة والإفلاس المالي؛ هذه هي بعض الوسائل التي قد تؤدي إلى فناء المدنية. إذ المدنية ليست شيئًا مجبولًا في فطرة الإنسان، كلا، ولا هي شيء يستعصي على الفناء؛ إنما هي شيء لابد أن يكتسبه كل جيل من الأجيال اكتسابًا جديدًا، فإذا ما حدث اضطراب خطير في عواملها الاقتصادية أو في طرائق انتقالها من جيل إلى جيل فقد يكون عاملًا على فنائها. إن الإنسان ليختلف عن الحيوان في شيء واحد، وهو التربية، وتُقصد بها الوسيلة التي تنقل بها المدنية من جيل إلى جيل.
والمدنيات المختلفة هي عِتاد الأجيال للنفس الإنسانية، فكما ترتبط الأجيال المتعاقبة بعضها ببعض بفضل قيام الأسرة بتربية أبنائها، ثم بفضل الكتابة التي تنقل تراث الآباء للأبناء، فكذلك الطباعة والتجارة وغيرهما من ألوف الوسائل التي تربط الصلات بين الناس قد تعمل على ربط الأواصر بين المدنيات، وبذلك تصون للأزمان المقبلة كل ما له قيمة من الماضين؛ فلنجمع تراثنا قبل أن يلحق بنا الموت، لنسلمه إلى أبنائنا.
To provide the best experiences, we use technologies like cookies to store and/or access device information. Consenting to these technologies will allow us to process data such as browsing behavior or unique IDs on this site. Not consenting or withdrawing consent, may adversely affect certain features and functions.