التدريب في وقت السلم على فن الملاحة وقيادة الطائرات الجوية الحربية أو التخطيط أو إدارة العملية هو ما حقق النصر لمصر ..
اللواء سمير فرج
أمس كان يوم 14 أكتوبر، الذي تحتفل به القوات الجوية المصرية، فهو اليوم الذي شهد معركة المنصورة الجوية، إحدى أشهر وأكبر المعارك الجوية في التاريخ الحديث.
واشترك في معركة المنصورة الجوية 200 طائرة حربية؛ منها 120 طائرة تابعة للقوات الجوية الإسرائيلية من طرازات “فانتوم” و”سكاي هوك” و”ميراج 2000″، مقابل 80 طائرة حربية مصرية من طرازات “ميج 21″ و”سوخوي 7″ و”ميراج 2000”.
ودارت أحداث المعركة على مدار 53 دقيقة، لتسجل في المراجع العسكرية كأطول وأقوى وأشرس المعارك الجوية في التاريخ العسكري الحديث، وانتهت بانتصار القوات الجوية المصرية.
فرغم التفوق العددي والنوعي للطائرات الإسرائيلية، وصلت خسائرها إلى 17 طائرة إسرائيلية، بينما خسرت القوات الجوية المصرية خمس طائرات فقط، سقطت اثنتان منها بسبب نفاد الوقود.
وحظيت هذه المعركة باهتمام الدوائر العلمية حول العالم لعدة أسباب ..؛
أولها أنها كانت المرة الأولى التي يدور فيها قتال جوي مباشر بين طائرات روسية الصنع وطائرات غربية الصنع.
والسبب الثاني أنها كانت أول معركة جوية تستخدم فيها أسلحة الحرب الإلكترونية الحديثة والأسلحة الإلكترونية المضادة،
خصوصًا التشويش على رادارات وطائرات الخصم من كلا الجانبين، والإجراءات المضادة التي اتبعها كل طرف للتغلب على عمليات التشويش.
أما السبب الثالث، فهو أنها أبرزت كفاءة عناصر التوجيه الأرضي في غرف عمليات المطارات المصرية والإسرائيلية،
كما برزت فيها كفاءة الأطقم الأرضية، خاصة على الجانب المصري،
التي نجحت في التعامل مع هذا الكم من الطائرات طوال مدة المعركة.
وكان لاشتراك أربعة مطارات حربية مصرية في هذه المعركة الفضل في رفع تقييم القوات المصرية،
لصعوبة تنسيق خروج الطائرات من تلك المطارات وتوقيتات الاشتباك الجوي والعودة بسلام، خاصة أن معظم المطارات في الدلتا متقاربة،
بعكس الطائرات الإسرائيلية التي كانت قواعدها بعيدة، وهو ما يسهل السيطرة عليها.
وكان هجوم الطائرات الإسرائيلية ثلاث موجات،
كانت مهمة الموجة الأولى إغراء المقاتلات المصرية واستدراجها إلى اتجاهات بعيدة عن الأهداف المكلفة بالدفاع عنها،
أما الموجة الثانية الإسرائيلية فكانت القوة الأساسية المكلفة بالهجوم على الرادارات ووحدات الدفاع الجوي المصري من الصواريخ والمدفعية،
بينما كانت الموجة الثالثة تختص بضرب الأهداف المحددة لها، كتدمير القواعد العسكرية المصرية.
وبدأت معركة المنصورة الجوية في الساعة الثالثة وخمس عشرة دقيقة، عندما أنذرت مواقع الرادارات المصرية على ساحل الدلتا باقتراب 20 طائرة من طراز الفانتوم من ناحية البحر المتوسط، لتجنب حائط الصواريخ المصري على الضفة الغربية لقناة السويس.
وقررت قيادة القوات الجوية المصرية عدم اعتراض الموجة الأولى،
مما أفشل مهمتها في جذب المقاتلات المصرية، فعادت أدراجها عبر البحر المتوسط إلى القواعد الجوية الإسرائيلية.
وفي الساعة الثالثة والنصف، أظهرت شاشات الرادارات المصرية وجود 60 طائرة قادمة من ثلاثة اتجاهات من ناحية البحر؛ بورسعيد وبلطيم ودمياط،
فأقلعت 16 طائرة ميج 21 من مطار المنصورة الجوي، ثم ثماني طائرات من قاعدة طنطا الجوية للتصدي لها.
وبعد ذلك بثماني دقائق، جاء إنذار للقوات الجوية باقتراب 16 طائرة إسرائيلية قادمة من اتجاه البحر المتوسط على ارتفاع منخفض،
وبدأ القتال الجوي فوق سماء دلتا نهر النيل، وبدأ معه تدفق باقي الطائرات الإسرائيلية،
واشتعلت السماء المصرية بأكبر معركة جوية، استخدم فيها الجانبان أحدث ما يملكانه في ترسانتهما الجوية، سواء المقاتلات أو أجهزة التشويش اللاسلكي والراداري.
و خلال فترة دراستي في كلية كمبرلي الملكية بإنجلترا. وكان من ضمن البرنامج الدراسي تنظيم مشروع تدريبي مشترك وزيارة كلية أركان الحرب الجوية البريطانية في براكنل لمدة أسبوع،
فيما عُرف بفترة التزاوج بين القوات البرية التابعة لكلية كمبرلي والقوات الجوية التابعة لكلية براكنل، ليتعرف دارسو كل جانب على أساليب قتال القوات الجوية وآليات التعاون مع القوات البرية أثناء عمليات القتال،
فيما يطلق عليه «معركة الأسلحة المشتركة الحديثة»، التي تتعاون خلالها مختلف القوات لتحقيق النصر.
وفي أول أيام الزيارة، تجمع في القاعة أكثر من 250 ضابطًا من أكثر من 60 دولة من مختلف أنحاء العالم لمناقشة فنون القتال وسبل التعاون بين القوات البرية والقوات الجوية.
ودارت المحاضرة الأولى حول نشأة وتطوير القوات الجوية عبر التاريخ، بدءًا من الطائرات المروحية، ثم النفاثات، وصولًا إلى أنواع الطائرات الأسرع من الصوت، فضلًا عن تطور الإمكانات الملاحية للطائرات والنظم الفنية الحديثة في علم الطيران، حتى أنظمة المحاكاة الجديدة لتدريب الطيارين.
وعندما حان موعد المحاضرة الثانية، كانت المفاجأة بعرض معركة المنصورة الجوية بين القوات الجوية المصرية والقوات الجوية الإسرائيلية باعتبارها من أهم وأحدث المعارك الجوية في التاريخ الحديث.
واستعرض المحاضر تفاصيل القتال الذي دار لمدة 53 دقيقة، وتابع عمليات إقلاع الطائرات الإسرائيلية والمصرية من المطارات المختلفة، واستخدام الطرفين لأسلحة الحرب الإلكترونية الحديثة في التشويش، والإجراءات المضادة التي اتبعها كل طرف للتغلب على عمليات التشويش.
وعندما تطرق المحاضر إلى إمكانات طائرات كل طرف، ظهر التفوق العددي والنوعي للطائرات الإسرائيلية أمام الطائرات المصرية.
وعلق المحاضر بأن ما حدث في معركة المنصورة الجوية يؤكد أن التدريب في وقت السلم، سواء على فن الملاحة وقيادة الطائرات الجوية الحربية أو التخطيط أو إدارة العملية، هو ما حقق النصر لمصر، ومكّن طياري القوات الجوية المصرية من التغلب على الضعف النسبي لإمكانات طائرات الميج أمام الفانتوم وسكاي هوك.
Email: sfarag.media@outlook.com