مقالات وأراء

“عبدالحليم قنديل” يكتب: لماذا لا تضرب إيران “إسرائيل”؟

    أيا ما كان مصير مساعى الوسطاء فى باكستان وفى قطر ، فإن العودة للتفاوص الأمريكى الإيرانى ، لن تؤدى غالبا إلى وقف الحرب الجديدة الجارية على جبهة إيران ، ولا إلى تقليص ما جرى ويجرى من اتساع نطاق المواجهة ، خصوصا بعد إخفاق هجمات القوات الأمريكية فى تحقيق هدفها الأولى بانتزاع السيطرة على “مضيق هرمز” من القوات الإيرانية ، وإقدام طهران مجددا على غلق المضيق عمليا ، وتقليل فرص عبور السفن والناقلات إلى أدنى حد ، وحصر العبور فى المسارات الإيرانية شمال المضيق ، ثم اتجاه إيران والحلفاء “الحوثيين” إلى غلق انتقائى لمضيق “باب المندب” ، أو ما أسمته سلطة “صنعاء” بفرض حظر على الملاحة السعودية عبر “باب المندب” ، والبدء فى التنفيذ بالفعل ، وهو ما دفع الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب” للإعلان عن نية فى التدخل حربيا مجددا ضد جماعة “الحوثى” ، وهو ما قد يوحى بإمكانية تكرار حرب واشنطن ضد “الحوثى” ، ومن وراء لافتات وأسماء لتحالفات بحرية ، سواء فى الفترة الأخيرة من إدارة الرئيس الأمريكى السابق “جو بايدن” ، أو فى الشهور الأولى من حكم إدارة “ترامب” ، ومن دون تحقيق نتائج تذكر ، اللهم إلا الإعلان عن اتفاق أمريكى ضمنى مع “الحوثى” بسعى من سلطنة “عمان” وقتها ، ومن دون إلزام “الحوثى” وقتها بوقف هجماته على “كيان الاحتلال الإسرائيلى” بالصواريخ والمسيرات .

    ربما الجديد السئ هذه المرة ، أن ردود فعل “الحوثى” الحربية على قصف أمريكى جديد محتمل على اليمن ، لن تتوجه هذه المرة إلى “إسرائيل” بل إلى السعودية ، وهو أمر لايبدو مفيدا لإيران نفسها ، التى سعت إلى “تسكين” الموقف السعودى ، ولا يبدو من صالحها فى هذا الوقت من المواجهة ، أن تستعدى السعودية بالكامل ، وهو ما يظهر بوضوح فى خرائط ضربات إيران الأخيرة على أراضى دول تستضيف قواعد أمريكية ، فقد ذهبت ضربات إيران إلى الأردن بعد الكويت والبحرين ، ومن دون أن تمتد إلى السعودية ، ولا إلى “إسرائيل” حتى وقت كتابة هذه السطور ، وكف الضربات عن “إسرائيل” ولو مؤقتا ، يضعف القيمة المعنوية للضربات الإيرانية ، ويزيد التعقيد السلبى مع التوجه الحوثى الوارد لتوسيع الضربات ضد السعودية بالذات ، ولأسباب يمنية مفهومة ، بعد كسر تهدئة بين السعودية و”الحوثى” جرى الاتفاق عليها عام 2022 ، بعد حرب طاحنة استمرت لثمانى سنوات قبلها ، أعقبت استيلاء “الحوثى” على صنعاء وأغلب محافظات الشمال اليمنى نزولا إلى “الحديدة” .

   ولا نظن أن “إيران” مستعدة لمسايرة “الحوثى” إلى النهاية فى حرب مجددة ضد ما يسمى “التحالف السعودى” ، وقد يكون ذلك ، إن حدث لا قدر الله ، خطأ إيرانيا كبيرا فى حسابات المواجهة الشاملة القائمة اليوم وغدا ، وقد يمكن تفهم دعوى إيران لقصف القواعد والمصالح الأمريكية أينما وجدت ، لكن لا يمكن تفهم امتداد الضربات إلى منشآت مدنية بترولية وكهربائية ومحطات تحلية مياه فى دول خليجية قريبة من إيران، كما لا يمكن تفهم انحسار الضربات الإيرانية ضد “كيان الاحتلال” رأسا ، حتى لو جرى ذلك لحسابات تكتيكية موقوتة ، فالحرب الجارية فى مراحل متعددة عبر الخمسة شهور الأخيرة ، هى فى أصلها حرب “إسرائيلية” جرت وتجرى بجيوش أمريكية ، بينها جيش الاحتلال نفسه ، وإذا كانت واشنطن تميل اليوم إلى تأخير المشاركة “الإسرائيلية” الرسمية المباشرة فى الجولة الراهنة ، فلا يصح لإيران أن تتصرف على أساس التكتيك الأمريكى ، وأن تقصف ميناء العقبة “الأردنى” ومطاره ، بينما تغض الطرف عن ميناء “إيلات” ومطار “رامون” “الإسرائيلى” على بعد كيلومترات قليلة ، وفى مطار “رامون” أصول عسكرية أمريكية أخطر مما توجد فى قاعدة “الأزرق” الأردنية ، ففى مطار رامون حشد هائل من طائرات التزويد بالوقود الأمريكية ، والأولى من زوايا السياسة والحرب ، أن تتوجه الضربات الإيرانية إلى قواعد أمريكا فى “إسرائيل” أولا ، فوق أن “إسرائيل” فى ذاتها ، هى أكبر قاعدة أمريكية فى الدنيا كلها ، والامتناع عن ضربها إيرانيا ، يزيد فى شراسة عدوان كيان الاحتلال على لبنان ، وعلى “غزة” التى عادت إليها حرب الإبادة “الإسرائيلية” مجددا .

  ومن حق إيران كدولة مهددة ، أن تصوغ قوائم حساباتها وأولوياتها ، وهى تواصل بالفعل صمودا عسكريا مذهلا ضد هجمات الحرب الأمريكية الجديدة ، وقد أفشل الصمود الإيرانى هدف “ترامب” المباشر فى انتزاع السيطرة على “مضيق هرمز” ، وربما تتحوط “طهران” وقواتها لعمليات إنزال واستيلاء برى محتملة على جزر إيرانية فى الخليج بالقرب من “مضيق هرمز” ، والدفاع عن سيادة إيران على أراضيها وموانيها وجزرها الأهم ، مما لا يمارى فى أولويته أحد ، لكن إيلام العدو الأمريكى وتكبيده الخسائر فى المعدات والجنود ، لا يكون فقط بقصف القواعد الأمريكية فى دول خليجية وعربية ، بل إن ضرب “إسرائيل” يظل هو الأوجع عسكريا وسياسيا .

   وقد كان ذلك ظاهرا فى “حرب الإثنى عشر يوما” خلال يونيو 2025 ، ثم فى “حرب الأربعين يوما” الأولى بالحرب الجارية المتصلة إلى اليوم ، وما من تناقض ظاهر ، فى أن تواصل إيران حرصها على الاحتفاظ بورقة “مضيق هرمز” ، وفى أن تستأنف ضرباتها الصاروخية ضد كيان الاحتلال “الإسرائيلى” بالوقت نفسه ، وقد تظن دوائر إيرانية ، أنها بعدم المبادرة إلى ضرب “إسرائيل” ، تتوقى استعجال المشاركة “الإسرائيلية” الرسمية فى الحرب المتسعة جغرافيا اليوم ، والتى لا يصح تضييع اتجاه “البوصلة” السياسية والحربية فيها ، وما ينطبق على السلوك الإيرانى ، يمتد بالطبائع إلى سلوك حلفاء إيران ، وجماعة “الحوثى” مثلا ، قد لا تكسب كثيرا على الصعيد الشعبى باستئناف الحرب ضد “السعودية” حصرا ، وبقدر ما تكسب إذا أعادت توجيه “البوصلة” ضد كيان الاحتلال ، وبما يعطى صمودها ضد ضربات أمريكية محتملة معنى أكثر إيجابية وشعبية ، وقد كان ذلك ظاهرا فيما مضى من جولات ، فالعداء لكيان الاحتلال وأولويته على ما عداه ، هو الجامع الشعبى الأعظم عربيا وإسلاميا ، حتى وإن حقق العدو الأمريكى “الإسرائيلى” اختراقات جديدة ، وعلى نحو ما يجرى اليوم فى لبنان مع اتفاق الإطار الأمريكى “الإسرائيلى” .

   وقد كان الشهيد السيد “على خامنئى” على وعى مميز بهذه الحقيقة الكبرى ، وأنها الجامعة الكفاحية التاريخية بين الشعوب العربية والشعوب الإيرانية ، ودفع السيد “خامنئى” حياته ثمنا لقناعته الصحيحة تماما ، وبدت مشاهد تشييعه المليونية الحارة عنوانا ملخصا لسيرة حياته وكفاحه ، صحيح أن السيد “خامنئى” كان “إيرانيا” بقدر ما كان “إسلاميا” وإماما جامعا للشرائط ، ومن يحكمون إيران اليوم بعده ، وأولهم نجله المرشد الجديد “مجتبى” وقادة الحرس الثورى ، يعلنون الوفاء والولاء المطلق لسيرة وكفاح السيد “خامنئى” ، وقد كان الرجل محقا فى رسم تكتيك مواجهة الحرب الراهنة حتى قبل أن تبدأ ، كان يقول أنه حتى لو وجهت لنا أمريكا ضربة خاطفة ، فسوف نرد على نحو شامل زمانا ومكانا ، ونزيد تكلفة الحرب على العدو إلى أقصى حد ، وما من معنى شامل للرد الإيرانى ، مع استثناء “كيان الاحتلال” ولو مؤقتا ، وقد احتفظت إيران بأغلبية أسلحتها الصاروخية والمسيرة ، وطورت فى دقتها ومدياتها ، وأبدت صمودا مذهلا كان مثار إعجاب أحرار المنطقة والدنيا كلها ، وقد لا يجادل أحد اليوم فى أولوية الدفاع عن السيادة الإيرانية على أراضيها ، والدفاع المستميت عن مدنها وموانيها وجزرها ومنشآتها النووية ، وكل هذا صحيح تماما وفى مكانه ، وإن كان صحيحا بذات القدر ، أن الضربات الإيرانية خارج الحدود ، يجب أن تتوجه أولا إلى “كيان الاحتلال” وقواعد أمريكا المستقرة فيه ، وضرب الكيان لا يثير جدالا ولا نزاعا فى آراء ، كالتى نعيشها مع التركيز الإيرانى على ضرب القواعد والمصالح الأمريكية فى دول عربية مجاورة وبعيدة عن إيران ، وقد أعلن “محسن رضائى” المستشار العسكرى للمرشد المتوارى “مجتبى” ، أن إيران لن تكتفى بردع الخطر الأمريكى ومصادره القريبة ، وأنها ستطور ردها العسكرى إلى الهجوم لا الدفاع فقط .

  وقد بادرت “إيران” مرة إلى شن ضربات صاروخية على “إسرائيل” دون انتظار الهجوم أولا من الكيان ، ونتصور أن إيران مدعوة اليوم لتكرار المبادرة ، وكما يقال فى عقائد السلاح التاريخية الكبرى ، فإن الهجوم كثيرا ما يكون أفضل وسيلة للدفاع ، والقيادة الإيرانية الدينية والعسكرية والسياسية تعى ذلك طبعا ، ولا تقصر فى أداء الواجب الهجومى ، وإن كانت الأهداف المختارة مثيرة لجدال لا ينتهى ، بينما المبادرة الهجومية باتجاه كيان الاحتلال ، تجمع الآراء وتطفئ نيران الفتن ، وتجيب مباشرة على حملات تشكيك فى السلوك الإيرانى الحربى ، وأسئلة كثيرة من نوع لماذا لا تضرب إيران أساطيل أمريكا فى البحار القريبة ؟ ، والسؤال الأخطر فيما نظن ، هو لماذا لا تضرب إيران إسرائيل ؟ .

Kandel2002@hotmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
Verified by MonsterInsights