مقالات وأراء

“عبدالحليم قنديل” يكتب: هزيمة “ترامب” فى مفاوضات إيران ..

    لن تكون هذه آخر مرة ، يلعب فيها الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب” لعبته البدائية ، والوصول بالتهديد العسكرى إلى الذروة ، وعلى طريقة “سأضرب إيران بقوة لم تحدث منذ الحرب العالمية الثانية ” ، ثم يسحب تهديده بدعوى تدخل قادة خليجيين عرب ، وبدعوى أن إيران نفسها توسلت إليه ، وأن المفاوضات جارية مع طهران ، التى تعهدت بتنفيذ فورى لشرطه الحازم فتح “مضيق هرمز” ، وكما فى كل مرة من السوابق العشر المماثلة ، نفت إيران أنها طلبت وقف الضربة الأمريكية التى هدد بها “ترامب” ، وتوعد فيها بتدمير كل محطات الطاقة والكهرباء وتحلية المياه فى كل إيران ، وهو ذات ما قاله فى تهديد “ترامب” الشهير بمحو الحضارة الفارسية ، ثم لعق تهديده وتراجع ، ثم دخل فى جولات مفاوضات مع إيران عبر وساطة “إسلام أباد” ، انتهت إلى توقيع ما عرف باسم “مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية” ، التى وصفها “ترامب” بأنها انتصار عظيم ، ووقع عليها بحماس إمبراطورى من “قصر فرساى” فى فرنسا ، ثم لم تكد تمر أسابيع ، حتى لحس توقيعه عليها فى قمة “الناتو” فى “أنقرة” ، وأعلن استئناف الضربات العسكرية على إيران ، ووصل بالقصف إلى ذروته فى “حرب الأسبوعين” أو “حرب الثلاثة عشر ليلة” ، ثم أعلن وقف الضربات ، وأنه يستعد لتنفيذ ضربة ساحقة ماحقة لكل شئ إيرانى ، ثم سحب تهديده مجددا لإتاحة فرص التفاوض .

  وحين كذبه الإيرانيون رسميا ، وقالوا أنه لا توجد مفاوضات مباشرة مع واشنطن ، وأن المفاوضات تجرى فقط مع “سلطنة عمان” المشاطئة هى الأخرى ـ كما إيران ـ لمضيق “هرمز” ، وأن هدف التفاوض هو البحث عن صيغة إيرانية ـ عمانية لإدارة المرور فى المضيق ، وحين بدا أن “إيران” و”عمان” على وشك الوصول لاتفاق ترتيبات ، قفز “ترامب” على سطح الحوادث ، وقال أن أمريكا هى التى كانت تفاوض إيران عبر وساطة عمانية ، ودفع “ترامب” وزير خارجيته “ماركو روبيو” ليقول شيئا شبيها ، وكذلك وزير الخزانة “سكوت بيسنت” ، وكانت إيران كعادتها أذكى من “ترامب” فى لعبة التفاوض ، واعتبرت حماسه لنتائج المفاوضات مع “سلطنة عمان” ، وكأنه تسليم بها ، واستأنفت طرح مطالبها فى العودة لنصوص مذكرة التفاهم ، واعتبار الاتفاق الإيرانى ـ العمانى كتفسير عملى وقانونى لنص البند الخامس حمال الوجوه فى مذكرة التفاهم .

   ورغم وجود جوانب غموض فيما تم الاتفاق عليه ، فإن الخطوط العريضة لاتفاق “عمان” مع “إيران” ، تبدو انتصارا إيرانيا فى أزمة “مضيق هرمز” ، فالاتفاق لم يأت على ذكر واشنطن بحرف ، وجعل تنظيم العبور فى المضيق قسمة بين “طهران” و”عمان” ، على أن تتحكم إيران فى دخول السفن والناقلات إلى “مضيق هرمز” ، ثم تبحر فى مسار مشترك متفق عليه ، ثم يأتى دور “سلطنة عمان” فى تنظيم الخروج من المضيق ، وقد يكون من حق “إيران” و”عمان” أن يستفيدا من رسوم تأمين وخدمات ملاحية للسفن والناقلات فى الدخول والخروج ، ومن دون تسميتها برسوم عبور لا يجيزها قانون البحار الدولى ، وكان “ترامب” فى واحدة من شطحاته قبل أسابيع ، فقد أعلن أنه سيطلب “رسوم عبور ” من السفن والناقلات بنسبة 20% من قيمة حمولاتها ، ثم أعلن رغبته فى جنى هذه المبالغ من دول الخليج البترولية والغازية فى صورة ما أسماه “استثمارات” بالداخل الأمريكى ، بعد أن قيل له أنك تطلب رسوم عبور بنسبة 20% ، بينما كانت إيران تطلب رسوما مماثلة لا تزيد قيمتها على 1% من قيمة ما تحمل السفن والناقلات .

    وهكذا ، ضربت إيران عدة عصافير بحجر واحد فى مفاوضات “عمان” ، فقد نفذت ما نص عليه البند الخامس فى مذكرة التفاهم ، وأجرت المشاورات المطلوبة مع “سلطنة عمان” ، والأخيرة تمثل على نحو ما مصالح دول الخليج الأخرى خاصة فى “قطر” ، التى تلعب أيضا دور الوسيط بين طهران وواشنطن عبر وساطة “باكستان” الرئيسية ، ثم أن الإيرانيين يفتحون الباب باتفاق فتح المضيق لمكاسب أكبر تخصهم ، أهمها ما نصت عليه “مذكرة التفاهم” من انهاء الحصار البحرى الأمريكى على الموانئ الإيرانية ، ووقف العقوبات على تصدير البترول الإيرانى ، واسترداد أموال إيران المجمدة البالغة فى مجموعها نحو 120 مليار دولار ، والبدء فى ترتيبات استرداد 24 مليار دولار منها .

   ولم يكن لإيران أن تقلب موائد التفاوض على “ترامب” ، لولا أن وقائع الميدان العسكرى جاءت لصالحها ، فلم تتوقف الهجمات الأمريكية فى أى وقت خلال نحو ستة شهور مضت ، ومع اشتداد المواجهات ، بدا الصمود الإيرانى العسكرى مذهلا فى كل جولة ، من “حرب الأربعين يوما” إلى “حرب الأسبوعين” ، ولجأت إيران إلى توسيع نطاق المواجهات واستنفار حلفاء إيران ، خاصة جماعة “الحوثيين” فى اليمن و”الجماعات الولائية” فى العراق ، وسددت ضربات صاروخية مؤثرة ضد القواعد الأمريكية فى المنطقة ، واستنزفت نسبا كبيرة من صواريخ “توماهوك” ، وصواريح الدفاع الجوى “باتريوت” و”باك” و”ثاد” الأمريكية ، وتساقط جنود وضباط أمريكيون فى قواعد بالأردن وكردستان العراق ، وهو ما كان له أثره المباشر فى تناقص مخزون الذخائر الأمريكية ، وسد النقص الحاصل يستلزم سنوات ، أو على الأقل شهورا طويلة لإنتاج البديل فى شركات السلاح الأمريكية ، وبما أدى لاضطرار الجيوش الأمريكية لإعادة انتشار فى قواعدها بالمنطقة ، وسحب كثير من أصولها العسكرية إلى داخل قواعدها فى كيان الاحتلال “الإسرائيلى” بالذات ، وكانت تلك إشارات فهمتها إيران على أنها دليل على خواء تهديدات “ترامب” بضربة ساحقة ماحقة .

   وتصرفت إيران على أساس ما بدا لها من حقائق عسكرية على الأرض ، خصوصا بعد فشل “ترامب” المتكرر عسكريا فى الاستحواذ على “مضيق هرمز” ، سواء فيما أسماه “مشروع الحرية” لفتح المضيق بالقوة ، وعجز هجمات “حرب الأسبوعين” عن تفكيك قبضة إيران فى “هرمز” ، ولأن التفاوض متصل بما يجرى فى ميادين القتال ، كان مفهوما أن تسبق الدبلوماسية الإيرانية بخطوات ، وأن تستثمر المفاوضات مع “سلطنة عمان” فى القفز على مطالب “ترامب” ، والتوجه للعالم المتضرر من غلق المضيق بوجه جديد ، حتى أن طهران لم تمانع فى استقدام كاسحات ألغام أوروبية لتطهير المضيق من موارد الخطر ، وهكذا حشرت إيران “ترامب” فى الزاوية البعيدة ، وحرمته من فرصة كسب تعاطف الأوروبيين والآسيويين ، أصحاب المصلحة فى فتح مضيق يمر عبره خمس إمدادات العالم من الطاقة ومشتقاتها ، ثم أن إيران كسبت ورقة تهديد إضافية فى مضيق “باب المندب” عبر “الحوثيين” ، وهو ما عزز من وضع “مضيق هرمز” كورقة استراتيجية خالصة بيد الإيرانيين ، وجعل “قضية هرمز” تطغى على غيرها ، وهو ما دفع “ترامب” نفسه للاعتراف علنا بتأخير مفاوضات البرنامج النووى .

   وهكذا قلبت إيران سلم الأولويات حتى عند “ترامب” ، وجعلت من القنبلة النووية الاقتصادية فى “مضيق هرمز” أولوية تفوق ما عداها ، وبما يمنحها وقتا إضافيا فى بحث موضوعات برنامجها النووى ، وإبداء مزيد من المماطلة والتشدد فى أولوياتها بالنسبة للبرنامج النووى ، وبالذات رغباتها المعلنة فى الحفاظ على مبدأ التخصيب النووى ، ورفض نقل كمية يورانيوم التخصيب العالى بنسبة تفوق الستين بالمئة ، والتمسك بمعالجة وخفض تخصيب الكمية الأخطر ـ 450 كيلوجراما ـ على أراضيها ، وربما التصرف سرا فى يورانيوم التخصيب العالى ، والاتجاه لصناعة قنابل ذرية منه فى مواقع أكثر سرية وأشد تحصينا من موقع “جبل الفأس” أو غيره ، والتحلل من الالتزام بفتوى المرشد الراحل “على خامنئى” بتحريم صناعة أسلحة نووية ، وعلى قاعدة الضرورات التى تبيح المحظورات ، والاستفادة بتجربة كوريا الشمالية ، التى قفزت إلى صناعة القنابل الذرية ، وتسعى لاستخدام الورقة الذرية لحماية أراضيها من أى عدوان أمريكى محتمل ، وفى إيران الحالية اتجاهات تفكير مماثلة ، تفترض أنه لو ملكت إيران قنابل ذرية ، ما كانت أمريكا اعتدت عليها ولا “إسرائيل” .

    وفى أكثر من مرة ، نبهنا إلى ما يمكن تسميته “الثغرة الإسرائيلية” فى التفكير والعمل الإيرانى العسكرى ، وقلنا أن استئناف الضربات الإيرانية ضد “إسرائيل” من لزوم ما يلزم دفاعا عن إيران وقضيتها ، فالحرب على إيران ، هى فى الأساس “حرب إسرائيلية” ، جرت وتجرى بجيوش أمريكية ، ولا يعنى تراجع “ترامب” عن ضربته الموعودة شيئا أكيدا ، ولا اتجاها لا يقبل التراجع نحو تفاوض أو تسوية مع إيران ، حتى لو جرى إحياء “مذكرة التفاهم” فى النصوص أو فى المضامين ، فلا أحد يطمئن لكلام “ترامب” حتى لو كان “ترامب” نفسه ، واحتمال تجدد الحروب الأمريكية على إيران وارد جدا ، خصوصا مع إخفاقات الرئيس الأمريكى المتوالية ، وتحريض “بنيامين نتنياهو” رئيس وزراء العدو “الإسرائيلى” على استئناف حرب أوسع وأعنف من “غزة” إلى إيران .

Kandel2002@hotmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
Verified by MonsterInsights