مصر30/6

“عبد الحليم قنديل” يكتب: حرب ما بعد الحرب ..

لا تبدو إيران مستعدة فى أى وضع لتراجع جوهرى ..

    فى الأسبوع الماضى ، قلنا أننا “ذاهبون إلى حرب أوسع” ، وهو ما بدأت بواكيره فى الظهور والتدافع تباعا حلال الأيام الماضية ، وفى صورة حرب قصيرة مجددة بين “إسرائيل” وإيران ، ثم حرب تبعتها بين أمريكا وإيران ، وهو ما نعتقد أنه سيتوالى بحدة وسخونة أكثر وزمن أطول ، فقد غادرت إيران موقع الدفاع بعد تلقى ضربات أمريكية “إسرائيلية” ، وصارت تبادر بالهجوم ، على نحو ما حدث فى قصف إيران الصاروخى لكيان الاحتلال ، وفى منطقة الشمال الفلسطينى المحتل ، وبالضبط حيث هددت سابقا بقصف فورى إذا هاجمت “إسرائيل” ضاحية بيروت الجنوبية ، وزادت الصواريخ الإيرانية من توسع مدى استهدافاتها من “كريات شمونة” ثم إلى “حيفا” و”تل أبيب” ، وتحرك حلفاء جبهة المقاومة للمشاركة مع إيران ، من “حزب الله” الذى واصل حربه الضارية مع الاحتلال “الإسرائيلى” فى الجنوب اللبنانى ، وإلى جماعة “أنصار الله” اليمنية ، فقد عاد الحوثيون لإطلاق مسيراتهم وصواريخهم باتجاه كيان الاحتلال من “إيلات” إلى “تل أبيب” ، وتحرك الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب” لإيقاف الاشتباك فورا بالتنسيق مع “إسرائيل” ، وتظاهر بدور حكيم الزمان ورجل السلام ، وطلب من “إسرائيل” وإيران وقف الهجمات المتبادلة ، وهو ما حدث فعلا . ولم تكد تمر أيام بل ساعات ، حتى تحول “ترامب” من دور “حمامة السلام” إلى رجل الحرب ، فقد بادرت إيران هذه المرة إلى شن هجوم آخر ، وأسقطت طائرة “أباتشى” أمريكية متطورة، واشتعل جنون “ترامب” وهدد بانتقام حازم وساحق ، وأمر بشن غارات على منصات دفاع جوى ، وعلى خزانين لمياه الشرب فى محافظة “هرمزجان” الجنوبية ، وهنا كان رد إيران على 25 موقعا وقاعدة عسكرية أمريكية فى “البحرين” و”الكويت” و”الأردن” ، وقالت إيران أنها أصابت سبعين بالمئة من أهدافها ، وأعلنت بعدها وقفا موقوتا لغارات مسيراتها وصواريخها ، وهددت بالعودة الفورية إذا عاد الأمريكيون لشن عدوان جديد ، وهو ما ذهب إليه “ترامب” فعلا.

   ومما يلفت النظر فيما جرى ويجرى وسيجرى ، أن إدارة “ترامب” الأمريكية واصلت الحديث العشوائى عن قرب توقيع “مذكرة التفاهم” مع إيران لوقف الحرب ، بل وأعلن “جى دى فانس” نائب الرئيس الأمريكى ، وقد كان رئيسا لوفد التفاوض مع إيران فى باكستان ، قال “فانس” بينما كان الصدام الحربى الأخير جاريا مع طهران ، أنه يتوقع اكتمال الاتفاق مع إيران خلال أيام ، ثم أضاف “أو بعد عدة أشهر” ، وهو ما يعكس اضطراب وتشوش الصورة لدى فريق “ترامب”، الذى زعم أن الهجوم الأخير على إيران مجرد “عمل دفاعى” ، كما أعلن الأمريكيون مرارا ، أن أعمالهم الموصوفة بالزعم الدفاعى لا تنهى وقف إطلاق النار المعلن من قبلهم منذ 8 أبريل 2026 ، أى فى نهاية حرب الأربعين يوما الأولى منذ بدء العدوان الأمريكى “الإسرائيلى” صباح 28 فبراير 2026 ، التى خرج منها “ترامب” صفر اليدين تقريبا ، وإن واصل “اسكتشاته ” الفكاهية عن النصر “العظيم” “الرائع” الذى حققه ، بينما بدت شريكته “إسرائيل” ومحرضه “بنيامين نتنياهو” فى مواقع أشد خزيا ، فالنظام الإيرانى الذى ذهبوا لإسقاطه من أول يوم حرب ، وروجوا لدعوى أنهم فعلوها بعد اغتيال المرشد الإيرانى الراحل “آية الله على خامنئى” ، بينما لم يسقط النظام بعد قطع رأسه ، وانتقلت القيادة بسلاسة إلى نجله “مجتبى خامنئى” الأصغر سنا والأكثر تصلبا ، وصار النظام أكثر تماسكا وحيوية ، ومدعوما من ملايين الناس المؤيدين فى الشوارع ، ومع دور غالب للحرس الثورى ، ولمقر “خاتم الأنبياء” المركزى ودوره التنسيقى بين الحرس وقوات الجيش ، بينما لم تفك ألغاز “مجتبى” نفسه ، وقد ظل متواريا عن الأنظار لاعتبارات أمنية ، وإن بدأت السلطات الإيرانية الرسمية فى نشر تقاريرمفصلة عن سلامته الصحية بعد إصابته فى حادث اغتيال أبيه ، واضطر “ترامب” نفسه للإعلان عن رغبته فى لقاء واتفاق مباشر مع “مجتبى” ، بينما قالت السلطات الإيرانية أن اللقاء مع “ترامب” ليس واردا على جدول أعمال “مجتبى” ، وأن الأخير هو صاحب قرار الحرب وتوجيهات التفاوض معا .

   وعلى النقيض من فوضى الموقف الأمريكى ، بدت طهران أكثر صلابة واتساقا ، وجرى توزيع عمل مدروس بين قادة السلاح وقادة التفاوض ، وأعلن “محمد باقر قاليباف” رئيس البرلمان الإيرانى وكبير المفاوضين ، أن المسار العسكرى والمسار الدبلوماسى متكاملان متلازمان ، وأن كل شئ يجرى بتوجيهات المرشد الجديد “مجتبى خامنئى” وأوامره الملزمة ، ولم يتزحزح الموقف الإيرانى التفاوضى قيد أنملة ، وواصل إلتزامه بحقوق الشعب الإيرانى والأمن القومى للجمهورية الإسلامية ، ثم كانت براعة المفاوضين الإيرانيين ظاهرة طوال الوقت ، فقد أزاحوا عن طاولة التفاوض مناقشات البرنامج الصاروخى الباليستى وطبيعة العلاقات مع حلفاء إيران من جماعات المقاومة العربية ، خاصة مع أعرقها “حزب الله” اللبنانى ، الذى واصلت إيران دعمه ماليا وتسليحيا ، رغم الانقطاع الرسمى لطريق الإمداد السورى ، وهوما بدا ظاهرا فى الصورة المقتدرة عسكريا لجماعة “حزب الله” فى ميدان الحرب مع الاحتلال “الإسرائيلى” ، وفى التطور التقنى اللافت لأسلحته الجديدة ، خاصة فى الطائرات المسيرة الموجهة بالألياف الضوئية ، وشكلت هذه الطائرات المسيرة “الانقضاضية ” صداعا متصلا لجيش الاحتلال “الإسرائيلى” وقادته ، الذين لم يجدوا حلا “تكنولوجيا ” لمواجهتها ، واكتفوا بإخفاء مدرعاتهم وجرافاتهم وجنودهم وضباطهم من وراء شباك بدائية ، ثم أصبحت الطائرات الانقضاضية الخطرة تعمل وتصيب أهدافها فى ظلام الليل أيضا ، مع نجاح الحزب فى حفظ وتطوير ترسانته الصاروخية ، وتحوله إلى إدارة حرب عصابات متطورة تقنيا ، ووفاء طهران بتعهداتها مساندة قوات “حزب الله” لحظة الخطر ، وعلى نحو ما فعلت أخيرا بشن الهجوم الصاروخى على كيان الاحتلال بعد قصفه للضاحية الجنوبية ، وبما أعطى مصداقية مضافة للموقف الإيرانى تجاه الحلفاء ، وربطه لوقف الحرب على إيران بوقفها على جبهة لبنان ، واشتراط انسحاب قوات الاحتلال من كامل الجنوب اللبنانى .

    وحتى فى موضوع الملف النووى الإيرانى ، تصر طهران على تأجيل بحثه إلى ما بعد وقف الحرب نهائيا ، ولا تلقى بالا لأوهام “ترامب” عن تفكيك المنشآت النووية الإيرانية ، و”تصفير” تخصيب اليورانيوم ، ونقل 450 كيلوجراما من اليورانيوم المخصب بنسبة تفوق الستين بالمئة إلى واشنطن ، وقد اعترف “ترامب” علنا أن خططا عرضت عليه من جنرالاته لقنص يورانيوم التخصيب العالى ، ونقله إلى أمريكا ، وأنه امتنع عن الأمر بالتنفيذ خوفا من الخسائر البشرية لجنوده ، خاصة أن أحدا لا يعلم بالضبط أين يوجد مخزون يورانيوم التخصيب العالى ، الذى يمكن استخدامه فى صناعة أكثر من عشر قنابل ذرية ، وقال “ترامب” أنه يفضل تسلمه من الإيرانيين طوعا ، وهو مالا يبدو ممكنا ، مع رفض إيران التى تفضل معالجته على أرضها ، حتى لو أوحت بعض التصريحات الإيرانية أن طهران قد تقبل بنقله مؤقتا إلى الحلفاء فى روسيا أو فى الصين ، ثم استعادته فى صورة وقود نووى لتشغيل منشآتها ومفاعلاتها ومحطاتها النووية ، وهو ما يبدو “ترامب” أحيانا متجاوبا معه ، وفى أحيان أخرى ينتقل إلى موقع الرفض ، وبالذات حين تشتد عليه ضغوط “اللوبى الصهيونى” الموالى لإسرائيل و”نتنياهو” فى واشنطن ، التى تدفعه نفسيا للإعلان غير مرة ، أن القرار بيده لا بيد “نتنياهو” ، وأنه ذاهب إلى صدام استراتيجى مع إيران ، وعلى أمل كاذب أن تضطر طهران فى النهاية لقبول شروط الاستسلام .

   ولا تبدو إيران مستعدة فى أى وضع لتراجع جوهرى ، وقد نجحت فى جعل قضية “مضيق هرمز” فى الصدارة ، وهى تطرح معادلة فتح “مضيق هرمز” بشروطها السيادية ، ومقابل إنهاء الحصار البحرى الأمريكى على الموانئ الإيرانية الجنوبية ، وشجعها فشل الأمريكيين المتكرر فى فتح المضيق بالقوة العسكرية ، ونجاح إيران فى الاحتفاظ بسيطرة كاملة على المضيق وحركة السفن والناقلات فيه ، وتوصلها إلى تفاهم ضمنى مع “سلطنة عمان” على الشاطئ الجنوبى للمضيق ، ثم إبداء استعدادها لدفع “الحوثيين” إلى إغلاق مضيق “باب المندب” فى الوقت المناسب ، وشل حركة التجارة والنقل العالمية عبر المضيقين المهمين ، وبالذات بعد اشتراط إيران الإفراج عن 24 مليار دولار من أموالها المجمدة قبل فتح “مضيق هرمز” . وبالجملة ، فإن المفاوضات الإيرانية الأمريكية واصلة إلى نقطة اختناق ، وما من أفق لانفراج قريب محتمل ، بينما أيادى كل الأطراف ـ وأولها إيران ـ على الزناد ، وقد تتسع رقعة الحروب والاشتباكات الموقوتة ، وتشتعل الحرب بطول وعرض المنطقة ، خصوصا مع تزايد الضغوط وعودة نذر الحرب المتجددة من إيران إلى لبنان وغزة واليمن ، ومع ميل إيران المتزايد إلى مبادرات هجومية ، وعدم انتظار ضربات العدو الأمريكى “الإسرائيلى” ، ثم الرد الدفاعى عليها بعد حين ، فقد تحول الزمن الأول ، وصرنا بصدد معادلات جديدة وتوازن سلاح مختلف .

Kandel2002@hotmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
Verified by MonsterInsights