مصر30/6

بتاح حتب.. أول مصرى يدخل التاريخ بوصفه كاتبًا

وسط آلاف الأسماء المنقوشة على جدران

المقابر والمعابد فى مصر القديمة، يبرز اسم

واحد يقدمه علماء المصريات بوصفه أول

مصرى دخل التاريخ “كاتبًا” معروفًا بالاسم

وبنص مكتوب منسوب إليه، هو الوزير

والحكيم بتاح حتب، صاحب أحد أقدم

النصوص الأخلاقية فى تاريخ الإنسانية.

تشير المراجع المتخصصة فى تاريخ الدولة

القديمة إلى أن بتاح حتب عاش فى أواخر

الأسرة الخامسة، فى عهد الملك جدكارع

إيسيسى (حوالى 2400 قبل الميلاد)، وتولى

منصب الوزير، وهو أعلى منصب إدارى بعد

الملك، إلى جانب ألقاب أخرى مثل “المشرف

على المدينة” و”المشرف على كتبة وثائق

الملك”، هذه المناصب تجعله فى قلب إدارة

الدولة، وتفسر حضوره كصوت حكمة وخبرة

فى نصوص الأدب المصري.

يرتبط اسم بتاح حتب أساسًا بنص شهير فى

دراسات المصريات يُعرف باسم “تعاليم بتاح

حتب” أو “حِكم بتاح حتب” (The Maxims

of Ptahhotep)، وهو عمل ينتمى إلى ما

يُسمى فى الأدب المصرى القديم بـ”السِبْيَت”،

أى نصوص الحكمة والتعليم التى تصوغ خبرة

شيخ كبير يوجه نصائحه إلى شاب مقبل على

تولى المسؤولية. يتخذ النص شكل مجموعة

من الوصايا الأخلاقية والسلوكية، تتناول

كيفية التعامل مع الناس، واحترام كبار السن،

وضبط اللسان، والعدل فى الحكم، والتواضع،

وعدم الاغترار بالسلطة أو المال.

أهمية هذا العمل لا ترجع إلى مضمونه

الأخلاقى فقط، بل إلى كونه أحد أقدم

النصوص التى وصلتنا موقعة باسم صاحبها

داخل المتن، حيث يُقدَّم بتاح حتب بوصفه

الحكيم الذى يملى خبرته على ابنه أو تلميذه.

ويرى عدد كبير من الباحثين أن هذا النص

يجعل من بتاح حتب أقدم مؤلف مصرى

معروف الاسم والنص، بل يصفه بعضهم بأنه

من أقدم المؤلفين فى تاريخ الأدب المكتوب.

قصة وصول “تعاليم بتاح حتب” إلى الباحثين

المعاصرين تعود إلى اكتشاف بردية شهيرة

عُرفت باسم “بردية بريس” (Papyrus

Prisse)، عُثر عليها فى طيبة (الأقصر) فى

القرن التاسع عشر، وتحتفظ بها اليوم المكتبة

الوطنية فى باريس. تضم البردية فى بدايتها

نهاية نص آخر من نصوص الحكمة هو “تعاليم

كاجمني”، ثم يأتى بعدها النص الكامل لتعاليم

بتاح حتب تقريبًا، ما يمنحها قيمة خاصة

بوصفها أقدم مجموعة معروفة من نصوص

الحكمة المصرية على البردي. كما عُثر على

نسخ أخرى غير كاملة من هذه التعاليم فى

برديات تعود إلى الدولة الحديثة، ومحفوظة

فى المتحف البريطانى ومتاحف أخرى، وهو ما

يدل على أن النص استُخدم لقرون طويلة

ككتاب مدرسى فى تعليم الكتبة.

ورغم أن الكتابة فى مصر بدأت قبل عصر

بتاح حتب بعدة قرون، فإن أغلب ما وصلنا

من. تلك الفترات المبكرة يأخذ شكل نصوص

دينية أو نقوش ملكية وإدارية بلا إسناد

واضح لشخص “مؤلف”، على عكس “تعاليم

بتاح حتب” التى تحمل اسم صاحبها بوضوح،

وتُقدّم فى تقليد أدبى قائم على شخصية

“الحكيم”. لذلك يميل كثير من مؤرخى الأدب

إلى اعتباره أول كاتب مصرى معروف بالاسم

والنص معًا، مع التمييز بينه وبين شخصيات

مبكرة أخرى مثل “إمحوتب” الذى عُرف أساسًا

كمهندس وطبيب، بينما لا توجد نصوص

معاصرة له منسوبة إليه مباشرة كمؤلف.

وتكتسب تعاليم بتاح حتب اليوم أهمية

إضافية فى دراسات الأخلاق وتاريخ الفكر، إذ

يُعاد قراءتها فى ضوء أسئلة العدالة

الاجتماعية، والسلطة، والعلاقة بين الحاكم

والمحكوم، وصورة “المسؤول” فى المجتمع،

كما تُترجم إلى لغات عدة، وتُدرَس فى مناهج

جامعية بوصفها نموذجًا مبكرًا لأدب الحكمة

فى الحضارات القديمة.

بهذا المعنى، لا يمثل بتاح حتب مجرد اسم من

أسماء الوزراء فى عصر الأهرامات، بل يُعد

شاهدًا على لحظة مبكرة من تاريخ الإنسان

عندما قرر أن يحفظ خبرته فى الحياة على

هيئة نصّ مكتوب، وأن يوقّع هذه الخبرة

باسمه، ليدخل التاريخ “كاتبًا” قبل أكثر من

أربعة آلاف عام.

إقرأ أيضا: ثقافة دمياط تُنظم ورش رسم ومحكى ومسابقات للأطفال

إقرأ أيضا: وزير الثقافة: المبنى الجديد لأكاديمية الفنون فرصة لتطوير مهارات الموهوبين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
Verified by MonsterInsights