مقالات وأراء
“نورا سمير فرج” تكتب: الشباب المصري والدولة ..
بناء الإنسان يشمل ترسيخ القيم والارتقاء بالتعليم والمعرفة وصقل السلوكيات ..
جاء تصريح الرئيس عبد الفتاح السيسي بأن شباب مصر يمثلون حاليًا نحو 60% من تعداد الشعب المصري، وأنهم أمل مصر في المستقبل، بل هم قادة المستقبل وصُنّاعه. ومن هذا المنطلق، فإن الدولة المصرية تبذل قصارى جهدها في المرحلة القادمة للعناية بهؤلاء الشباب، لأنهم القوة الحقيقية التي سيقع على عاتقها قيادة هذا الوطن وتطويره في السنوات المقبلة.
وأكد السيد الرئيس، خلال لقائه مع الشباب في الأكاديمية العسكرية، أن الدولة المصرية تولي اهتمامًا كبيرًا برفع مستوى التعليم، وبصفة خاصة التعليم الجامعي، ليواكب الموضوعات العلمية الحديثة في العالم.
كما أوصى بتوءمة الجامعات المصرية مع الجامعات الأوروبية ذات التصنيف العالمي المتقدم، بما يضمن نقل الخبرات وتطوير المناهج ورفع كفاءة الخريجين.
ومن خلال الأرقام، أوضح الرئيس عبد الفتاح السيسي أن عدد طلاب التعليم الأساسي في مصر، من المرحلة الابتدائية حتى المرحلة الثانوية، يصل إلى نحو 25 مليون طالب، بينما يبلغ عدد طلاب التعليم الجامعي وحده حوالي 4 ملايين و500 ألف طالب.
ومن هنا أكد الرئيس أن الدولة ستأخذ بيد هؤلاء الشباب، لأن مصر لن تتقدم إلا بسواعد الشباب وليس بالكبار، خاصة أن الدول المتقدمة في العالم تسير على نفس النهج وتعتمد هذا الأسلوب في بناء مستقبلها.
وهنا أتذكر مقولة رئيس الوزراء الياباني عندما سأله أحد الصحفيين عام 1998 عن خطة اليابان لدخول القرن الحادي والعشرين، فكان رده أن خطة اليابان ستقوم على أساس الاهتمام بالشباب، لأنهم من سيقودون البلاد في القرن الجديد. وهو ما يتماثل تمامًا مع رؤية الرئيس السيسي، الذي أكد أن مسؤولية الدولة تجاه الشباب لا تقتصر فقط على توفير المسكن والمأكل والملبس، فهذه إجراءات أساسية وبسيطة من المسؤولية، وإنما هناك مسؤولية أعمق وأهم، وهي البناء الإنساني.
ويشمل هذا البناء الإنساني ترسيخ القيم، والارتقاء بالتعليم والمعرفة، وصقل السلوكيات، وهو أمر لا يقع على عاتق الدولة وحدها، بل تشترك فيه الأسرة، وباقي مؤسسات الدولة، وعلى رأسها المسجد والكنيسة، إلى جانب المؤسسات التعليمية والثقافية. ويأتي بعد ذلك دور الشباب أنفسهم، حيث يجب ان يكون طموح الشاب في المرحلة القادمة ليس مجرد الحصول على شهادة جامعية كما كان الفكر السائد في الماضي، بل أن تصبح الشهادة الجامعية نقطة انطلاق لاختيار مجالات العلم الحديثة.
وتشمل هذه المجالات الجديدة علوم الحاسبات الآلية ونظم المعلومات، وعلوم الفضاء، والتقنية الحيوية في مجال الكائنات الدقيقة، إلى جانب الوافد الأهم في العصر الحديث وهو علوم الذكاء الاصطناعي فضلًا عن مهارات التفكير العلمي، وتقنيات النانو تكنولوجي ، ووسائل الاتصال الحديثة عبر الأقمار الصناعية.
وعلى الجانب الآخر، يجب أن يكون الشباب على دراية كاملة بما يحدث في وطنهم، وأن يتعرفوا على الأخطار التي تحيط بمصر، على أن يحصلوا على هذه المعلومات من مصادرها الحقيقية والموثوقة، وليس من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، التي تنتشر عبرها في كثير من الأحيان أخبار كاذبة ومغلوطة. فهناك جهات عديدة لا تريد لمصر الأمن والاستقرار، وتسعى إلى هدم المجتمع المصري من الداخل، من خلال ما يُعرف بحروب الجيل الرابع والخامس، التي تهدف إلى ضرب أركان الدولة عبر الشائعات وبث الأكاذيب والتشكيك المستمر.
وبالطبع، فإن الشباب هم الفئة المستهدفة الأولى في هذه الحملات، حيث تعتمد بعض الجماعات، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، على ما يُسمى بالكتائب الإلكترونية، لنشر الأخبار الكاذبة عبر مواقع تُغري الشباب بالدخول إليها، مثل المواقع الرياضية أو الفنية أو الخاصة بالموضة، بهدف تمرير أفكار مضللة ورسائل هدامة.
ومن هنا، يصبح لزامًا على الشباب في هذه المرحلة أن يهتموا بالحصول على المعلومة الصحيحة من مصادرها الرسمية، وأن يتحلوا بالوعي والقدرة على التمييز بين الحقيقة والشائعة. كما يأتي دور آخر يمكن للشباب، وهو المشاركة في خدمة المجتمع من خلال الجمعيات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني.
وأعود مرة أخرى إلى تجربة اليابان، حيث كان من المعتاد أن يخرج الشاب بعد تخرجه من الجامعة ليعمل لمدة عام كامل في خدمة المجتمع، مثل مساعدة كبار السن، خاصة من لا عائل لهم ولا أبناء. وفي مصر، يتم تطبيق هذه الفكرة، عبر تنظيم حملات لمحو الأمية، وتدريب السيدات على الصناعات الصغيرة، بما يساعدهن على كسب الرزق، خاصة الأرامل والمطلقات.
كما أن هناك أدوارًا واسعة يمكن للشباب القيام بها داخل القرى والنجوع، من خلال مراكز الشباب وقصور الثقافة، عبر تقديم دورات في الحاسبات الآلية واللغات. ويمكن استثمار طاقات الشباب حديثي التخرج، في تدريب غيرهم من الشباب، خاصة خلال الإجازات الصيفية، لاكتساب مهارات اللغات واستخدام الحاسب الآلي.
ويأتي أيضًا دور دور العبادة، في المساجد والكنائس، من خلال الجمعيات الأهلية التابعة لها، والتي يمكن أن تشارك بالتنسيق مع مراكز الشباب وقصور الثقافة في إنشاء فصول لتعليم اللغات والحاسبات الآلية، إلى جانب وضع خطط واضحة لشغل أوقات الفراغ لدى الشباب، خاصة خلال الإجازات الصيفية، بما يحقق التثقيف والتعلم وبناء الشخصية السليمة.
وأخيرًا، يمكن القول إنه إذا تم إعداد الشباب في مصر إعدادًا متكاملًا، يجمع بين العلم والمعرفة والقيم والوعي الوطني وخدمة المجتمع، فإن مصر قادرة، كما أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي، على أن تخطو بثبات نحو مستقبل واعد، بفضل أبنائها من الشباب المزودين بالعلم والفضيلة والمسؤولية.





