.. سنوات قليلة معدودة ونكون أمام شعب جديد بعقول مختلفة وأدوات ومعطيات للتفكير والتحرك لم نعرفها من قبل، إنه جيل آلفا مواليد العشرية الثانية من الألفية الجديدة، جيل تقني مُبرمج، وُلد وبيده موبايل أو تابلت، منجز حضاري سريع التوغل لعقل الإنسان، له تأثيره الواضح علي مواليد ما بعد 2010 الذين لم يعد أمامهم سوي عامين فقط، ليكملوا كافة حقوقهم السياسية، ويصبحوا فاعلين مؤثرين قادرين علي إحداث تغيرات واضحة وملموسة، هذا الجيل الذي يتجاوز الملياري نسمة عالمياً، والـ 32 مليون مصري كلهم الآن في مرحلة النضارة والصبا والإنطلاق والبناء ..
فجوة عمرانية وحضارية
ويمكن أن نلقب رئيس الوزراء الحالي المهندس مصطفي مدبولي، بالمحظوظ، فلقد أتم في منصبه 12 عاماً الآن، وهو ما لم يحققه الكثر، كان له فيهم أثراً ومنجزاً واضحاً في ملفات شتي، تمكن بمهارة وحنكة من التجاوز والقفز فوق كوارث وأزمات صعاب، وأيضاً سجل خلالها غياب عميق في ملفات حيوية تمس قلب وكبد السواد الأعظم من الجماهير، وتحديداً إرتفاع الأسعار أو ما يعرف بالتضخم ..
وحقيقة لا أستطيع أن أنكر أن ما أنجزه المهندس مدبولي بملف التنمية العمرانية، يعد قفزة هائلة في صالح إنسان مصر، فبعد أن كنا نعيش علي 7 % فقط من أرض مصر تضاعف المعمور بها، ليصل الآن إلي 14 % في سابقة عمرانية حضارية لم تشهدها مصر بالعصر الحديث ..
إذن نحن أمام رجل محترف في عمله يعرف كيف ينجز وكيف يحقق نتائج إيجابية ملموسة علي الأرض، وهذا ما تشهد عليه وتشير له بوضوح مبانيه الشاهقة التي تضرب برأسها السحُب في العاصمة الإدراية وأيضا بالعديد من المدن الساحلية وتحديداً مدينة العَلمين الجديدة، فبعد أن كان عمران دول الخليج ومباني دبي تبهرنا، ونذهب لننفق أموالنا بناطحتها وأبراجها الشاهقة، أصبح الآن لدينا مبانينا الأفضل عمرناً والأكثر حداثة وهو ما سد وطمس فجوة عمرانية وحضارية كان يعاني منها أي مصري غيور علي بلده ..
أوروبا تصرخ ونحن نختنق
.. كلنا يدرك أن العملة الوطنية أو – الجنيه – مات بالضربة القاضية وفقد قوته الشرائية كلها تقريباً خلال أقل من عقد، لإختيارات سياسية اقتصادية لم تكن في صالح أحد سوي مقتني العملة الخضراء “الدولار” أو المعدن النفيس “الذهب” .. بالتأكيد للظروف والأوضاع الجيوسياسية دور فيما أصاب الجنيه والاقتصاد الوطني إجمالاً، إلا أن الحكومات الرشيدة لابد أن يكون لها دور في السيطرة علي أي ظرف سياسي طارئ سواء داخلياً أو خارجياً .. خصوصاً وأن معدلات التضخم في المحروسة سجلت في سبتمبر 2023 ما يقرب من الـ 40 % وهو أمر جلل لم يشهده الاقتصاد المصري في العصر الحديث ..
خصوصاً وأن القارة العجوز – أوروبا- لا تزيد بها معدلات التضخم عن 4 % فقط ويصرخ ساكنيها، فماذا عنا نحن بعد أن سجلت معدلات التضخم وإرتفاع الأسعار ذروة قياسية مع حكومة دكتور مدبولي ومتوقع لها معدلات تقترب من 12 % خلال العام 2026 وهي معدلات تضخم مرتفعة يجب السيطرة عليها وخفضها للنصف، بل يجب أن تتراوح عند الـ 5 % فقط، وهي المعدل الآمن المناسب لدخول الغالبية العظمي للمصريين – 165 دولار شهرياً -..
وهو ما لا يتحقق إلا بكسر الاحتكار بكل صوره وأنواعه في كافة القطاعات الإنتاجية والخدمية، وتواجد الدولة وسيطرتها علي أي محاولة لرفع الأسعار وهو ما يحترفه كبار التجار والمصنعين بمصر، والحرص الدائم من الدولة علي ضخ دماء جديدة من مصنعين ومنتجين وتجار في كافة أوردة وعروق النشاط الاقتصادي، إضافة بالطبع للاستهلاك الرشيد من قبل المواطنين ..
جسد قوي وقلب منهك
إن الناظر للحالة المصرية يجد أننا أمام جسد سكاني هائل متين بمحرك وقلب اقتصادي منهك، وهو ما لا يناسب هذا البناء السكاني الضخم الذي يحقق زيادة ونمواً مليونياً بالمواليد كل عام، إضافة للمتغير الأصعب وهو الحروب المشتعلة علي حدودنا والنيران التي تحوطنا من كل اتجاه .. وهو ما يستلزم الإستعداد الصحيح والبناء القوي للاقتصاد وللإنسان، وهو التحدي الأهم أمام حكومة مدبولي، خصوصاً وأن الجيل الحالي “جيل z” والجيل القادم قريباً جداً “جيل آلفا” أجيال لا تعرف إلا الإنجازات الحقيقة الملموسة، فهم شباب لا ينطلي عليهم الكلام المزوق أو التصريحات العاطفية الرنانة، فموليد الأونلاين والخوارزميات والبيانات أو الـ”DATA“ يؤمنون بالتحرك والإنجاز السريع، ولا يعرفون للصبر قيمة، فالايقاع السياسي لحكومات اليوم يجب أن يتسم بالإنجاز المتقن السريع المؤثر
وزير عشريني
.. إننا مطالبون أمام جيلي Z وآلفا وقبل كل شئ أمام ضمائرنا، أن نقدم شيئاً حقيقياً ملموساً لهذا الجيل الناشئ العملي البرجماتي الملول، شئ يقود حركته لصالح الوطن من خلال إعادة النظر بنظم وبرامج التعليم والتدريب والتأهيل العلمي التقني الرقمي، وإلا سيكون لهذا الجيل طرقه ووسائله المستحدثة الخاصة في إزاحة من لا يستطيع أن يجاريه ويواكب حركته، وهو بالتأكيد ما يشكل خسارة بشرية واقتصادية وسكانية وإنسانية هائلة ..
ولأن جيلي Z وآلفا لهما خصوصيتهما الحياتية والفكرية فلماذا لا يخرج من بينهم وزير شاب – وزير عشريني – يكون قد حصل علي تعليم وتأهيل سياسي وتنفيذي بأحد الأكاديميات العلمية الوطنية المختصة بصناعة الكوادر والقادة، فلا شك سيكون لهذا الاختيار تأثير إيجابي علي نظرة هؤلاء الشباب للمستقبل والغد ويحقق إنئتمائهم للوطن ويربطهم بآماله وأحلامه وأرضه ..